فهرس الكتاب
مستمر في حال حياته وبعد مماته، ففى حياته بالطاعات، وفعل الخيرات، وغير ذلك من وجوه البر، وبعد موته بالصدقات الجارية وما كان سببًا فيه في حال حياته، وما ورثّه من خير، وبدعوة الناس له، وبدخوله الجنة يوم القيامة، فالمؤمن كله خير ومنافع في حال حياته وبعد مماته [1] ، ومن صفات النخلة: جمال النبات، وحسن هيئة ثمرها، فهى منافع وخير وجمال، وكذلك المؤمن خير كله بكثرة طاعاته، ومكارم أخلاقه، ومواظبته على صلاته وصيامه وقراءته وذكره وصدقته، وسائر وجوه البر."ومن صفات النخلة الثبات والارتفاع عن الأرض، فكذلك الإيمان ثابت في قلب المؤمن، وعمله عال مرتفع في السماء ارتفاع فروع النخلة، وما يكسب من بركة الإيمان وثوابه كما ينال من ثمرة النخلة في أوقات السنة كلها من الرطب والبُسر (تمر النخل قبل أن يرطب) ، والبلح، والزهو، والتمر،"
والطلع" [2] كما أن من صفات النخلة: الاستقامة والاعتدال، والمسلم مستقيم على طريق الطاعة، معتدل في أمور دينه ودنياه، وإن كان يوجد في بعض النخل إعوجاج فكذلك بعض المسلمين قد يكون فيهم شئ من الاعوجاج في السلوك، وهذا لاينفى عنهم صفة الإسلام، والمؤمن لا يعرى من لباس التقوى كما لا تعرى النخلة عن الورق، والتقوى خير زاد، وخير لباس [3] ، وهذا الوصف النبوى الذى اعتمد التشبيه قد سلك طريق الإيجاز [4] بذكر أبرز الصفات التى تشابه فيها النخلة المسلم ليلفت الأنظار إلى الصفات التى لم تذكر في الحديث، وليشحذ المسلمون أفكارهم ويتأملوا وجوه الشبه بين المسلم والنخلة فيزدادوا معرفة بصفات المسلم من خلال النظر في صفات النخلة، وهذا الأسلوب من أساليب توضيح المعقول بالمحسوس [5] ، وحث للفكر على النظر فيما بين الأشياء من وجوه الاتفاق، ووجوه الاختلاف [6] . وهذا الوصف النبوى إنما هو أثر من آثار"
(1) قال القرطبى: وجه التشبيه بينهما من جهة أن أصل دين المسلم ثابت، وأن ما يصدر عنه من العلوم والخير قوت للأرواح مستطاب، وأنه لا يزال مستورًا بدينه، وأنه ينتفع بكل ما يصدر عنه حيًا وميتًا. فتح البارى 1/ 177
(2) ينظر الجامع لأحكام القرآن 5/ 237
(3) ينظر أمثال الحديث ص 223
(4) وهذه السمة"سمة الإيجاز"من أبرز سمات البيان النبوى، ويراجع ما سبق ذكره في فصل الإيجاز حول حديث"أوتيت جوامع الكلم".
(5) وذلك لأن المعانى العقلية المحضة لا يقبلها الحس والخيال والوهم، فإذا ذكر ما يلائمها من المحسوسات ترك الحس والخيال المنازعة، وانطبق المعقول على المحسوس فحصل الفهم التام. ينظر شروح التلخيص 3/ 399,398, وحاشية الشهاب 5/ 265
(6) وفيه إشارة إلى أن تشبيه الشئ بالشئ لا يلزم أن يكون نظيره من جميع وجوهه، فإن المؤمن لا يماثله شئ من الجمادات ولا يعادله. أما من زعم أن موقع التشبيه بين المسلم والنخلة من جهة كون النخلة إذا قطع رأسها ماتت، أو أنها لا تحمل حتى تلقح، أو لأنها تموت إذا غرقت، أو لأن لطلعها رائحة منى الآدمى، أو لأنها تعشق، أو لأنها تشرب من أعلاها ... فكلها أوجه ضعيفة؛ لأن جميع ذلك من المشابهات مشترك في الآدميين لا يختص بالمسلم، وأضعف من ذلك من زعم أن ذلك لكونها خلقت من فضلة طين آدم، فإن الحديث في ذلك لم يثبت. فتح البارى 1/ 177