فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 215

وعشيًا، لا يسقمون ولا يمتخطون ولا يبصقون، آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، ومجامرهم الألّوة - قال أبو اليمان: يعنى العود - ورشحهم المسك" [1] إننا هنا أمام لوحات وصفية رائعة لمشاهد من عالم الغيب لمنازل المؤمنين يوم وما أعد الله لهم من النعيم في الجنة. ولقد جاء هذا الوصف النبوى الدقيق معتمدًا على التشبيه في بعض أجزائه، ومعتمدًا على العبارة الوصفية التى لا تعتمد على الصورة البيانية المعهودة من التشبيه والاستعارة والكناية في أجزاء أخرى."

وبدأ هذا الوصف النبوى بذكر مراحل النعيم التى يمر بها أول زمرة تدخل الجنة من بداية دخولهم إلى حين استقرارهم. فبدأ بتشبيه صورة أول زمرة تدخل الجنة بصورة القمر ليلة البدر، وتشبيه الذين يلونهم بصورة أشد كوكب إضاءة. وهنا سر بلاغى في الفرق بين التشبيهين: فالتشبيه الأول: جاء بصورة"القمر ليلة البدر"، والوجه فيه الهيئة والحسن،

والضوء. والتشبيه الثانى: بـ"أشد كوكب درى"، والوجه فيه الإضاءة فقط [2] ، وهنا نقف أمام هذا النور الذى يشع من أجسادهم وصورهم، هذا النور الذى يخطف الأبصار، ويبهر المتأملين، فصورة القمر ليلة البدر وما هو عليه في الضوء معروفة بما فيها من جمال شكله، وحسن هيئته. إنهم حين يدخلون الجنة يكونون في قمة الجمال والكمال والبهاء والحسن فلا يصيبهم أى مظهر من مظاهر النقص، فلقد مضت الدنيا بنقصها وبلائها، وهم اليوم في دار الكمال لا النقصان. أما الذين يلونهم فصورتهم معروفة حين ننظر إلى الكوكب الدرى يلمع في وسط السماء في الليل، ولكن التشبيه هنا جاء في الإضاءة وحدها. وهذا لا يعنى نقصان حالهم، ولكن يعنى اختلاف درجاتهم في النعيم مع استوائهم في أصل الكمال والبعد عن كل مظاهر النقص [3] لقد

(1) أخرجه البخارى من حديث أبى هريرة - كتاب بدء الخلق - باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة - ح (3138) - 6/ 367، وأخرجه مسلم - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها - 9/ 173

(2) وقوله:"كأشد كوكب"أفرد المضاف ليفيد الاستغراق في هذا النوع من الكوكب. يعنى إذا تقصيت كوكبًا كوكبًا رأيتهم كأشده إضاءة. ينظر شرح الطيبى على المشكاة 10/ 254,253

(3) قال تعالى: (لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلًا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا * درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورًا رحيمًا) (النساء: 96,95) ، وقال تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقًا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم) (الأنفال: 2 - 4) . وفى الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدرى الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم"قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال:"بلى والذى نفسى بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين". وأخرج البخارى في صحيحه من حديث أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمان، ومنه تفجر أنهار الجنة"وينظر هذه الأحاديث وغيرها في كتاب حادى الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن القيم ص 109 - 118 - ط دار ابن رجب - ط ثانية - (1426) هـ (25005) م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت