فهرس الكتاب
وصفهم في الزمرة الأولى والذين يلونهم بالإضاءة عند دخولهم الجنة، وهذا النور والضوء إنما هو نور وضوء الأعمال الصالحة، فطالما صلوا بالليل والناس نيام [1] ، وطالما تحملوا بلاء الدنيا وعناءها. إن طاعتهم لله قد أثمرت ذلك النور الذى يسعى بين أيديهم وبأيمانهم حيث بين ذلك القرآن بإضافة النور إليهم في أكثر من موضع، فقال تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [2] بُشْرَاكُمْ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [3] قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} (الحديد: 13،12) ، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (التحريم: 8)
ولم يقف الوصف النبوى الدقيق لهذا المشهد الرائع المهيب عند الصورة الظاهرة، بل انتقل إلى الصورة الباطنة، فبين إن"قلوبهم على قلب رجل واحد" [4] فلا اختلاف بينهم ولا تحاسد ولا تباغض. إننا هنا أمام صورة مكتملة المعالم في الظاهر والباطن، ففى الظاهر بالحسن والبهاء، وفى
(1) وفى الحديث:"بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة"أخرجه أبو داود والترمذى من حديث بريدة بن الحصيب مرفوعًا. مشكاة المصابيح 2/ 285
(2) لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم، ومن وراء ظهورهم فجعل النور في الجهتين شعارًا لهم وآية لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا، وبصحائفهم البيض أفلحوا، فإذا ذهب بهم إلى الجنة ومروا على الصراط يسعون سعى بسعيهم ذلك النور جنيبًا لهم ومتقدمًا. الكشاف 4/ 473
(3) لأنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبروق الخاطفة على ركاب تزف بهم، وهؤلاء مشاة. وانظرونا وانظروا إلينا لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به. الكشاف 4/ 473
(4) قوله:"قلب رجل واحد"من التشبيه المحذوف الأداة، أى كقلب رجل واحد, وقد فسره بقوله:"لا تحاسد بينهم ولا اختلاف"أى أن قلوبهم طهرت من مذموم الأخلاق. فتح البارى 6/ 374