فهرس الكتاب
الباطن بالطهارة، والنقاء، والصفاء، وهذا يظهر بلاغة الوصف في البيان النبوى، ويؤكد ما سبق ذكره من أنه وصف كاشف جامع لكل معالم الصورة.
وبعد الحديث عن كمالهم في ذاتهم انتقل إلى الحديث عن النعيم الذى أعد لهم، فذكر الزوجتين من الحور العين، وبين صفاء ورقة بشرتهما فقال:"لكل امرئ منهم زوجتان [1] كل واحدة منهما يرى مخ ساقها من وراء لحمها من الحسن"إن هاهنا صفاءً وبياضًا في عظامهن ولحمهن ظاهرًا وباطنًا ليناسب حال هؤلاء المؤمنين في الصفاء والنقاء، وهنا تكتمل معالم الصورة، ويقترن الشكل بشكله، والإلف بإلفه، فيزداد النور والبهاء، والحسن والضياء. فما أروع هذه الصورة النبوية حين نتخيلها أمام أعيننا، وقد امتزج النوران بين هؤلاء الداخلين إلى الجنة، والحور العين اللائى وصفهن القرآن بأنهن: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} (الرحمان: 58) ، وقد أراد بذلك صفاء الياقوت في بياض المرجان، فشبههن في صفاء اللون وبياضه بالياقوت والمرجان [2] ، إن هذا النعيم المقيم والعطاء الجزيل ليلهمهم التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس [3] ، وليس المقصود بالتسبيح بكرة وعشيًا الحقيقة لفناء الدنيا، وإنما المقصود هو الديمومة [4] . وبعد هذا الوصف الدقيق لصورتهم وما أعد لهم من الحور العين انتقل البيان النبوى إلى وصف حالهم فهم"لا يسقمون، ولا يمتخطون، ولا يبصقون، آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب".
(1) يقول الطيبى: الظاهر أن التثنية للتكرير لا للتحديد كقوله تعالى: (ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير) (الملك: 4) لأنه قد جاء أن للواحد من أهل الجنة العدد الكثير من الحور العين. ويقول ابن القيم: ولا ريب ان للمؤمن في الجنة أكثر من اثنتين لما في الصحيحين من حديث أبى عمران الجونى عن أبى بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن للعبد المؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤ مجوفة طولها ستون ميلًا للعبد المؤمن فيها أهلون يطوف عليهم لا يرى بعضهم بعضًا"ينظر شرح الطيبى على المشكاة 10/ 254, وحادى الأرواح ص 311,310
(2) ويدل عليه ما قاله عبد الله: إن المرأة من نساء الجنة لتلبس عليها سبعين حلة من حرير فيرى بياض ساقيها من ورائهن ذلك بأن الله تعالى يقول: (كأنهن الياقوت والمرجان) (الرحمان: 58) ألا وإن الياقوت حجر لو جعلت فيه سلكًا ثم استصفيته نظرت إلى السلك من وراء الحجر. الكشاف 4/ 451, وحادى الأرواح ص 299
(3) وهذا ما فسره به جابر رضى الله عنه في حديثه عند مسلم. ووجه الشبه أن تنفس الإنسان لا كلفة فيه عليه ولابد له منه، فجعل تنفسهم تسبيحًا، وسببه أن قلوبهم تنورت بمعرفة الرب سبحانه، وامتلأت بحبه، ومن أحب شيئًا أكثر من ذكره. فتح البارى 6/ 375
(4) كما تقول العرب أنا عند فلان صباحًا ومساءً لا يقصد الوقتين المعلومين بل الديمومة، وقيل يسبحون بكرة وعشيًا أى قدرهما. شرح الطيبى 10/ 254, وفتح البارى 6/ 375