فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 215

ما أروع هذا الوصف الدقيق الجامع، فلقد تناول حالهم في الداخل وما يحتاجون إليه في الخارج من الأوانى والأمشاط. وهنا سر دقيق. فهم لا يسقمون ولا يمتخطون ولا يبصقون وهذا ما يناسب ما هم عليه من الضياء والنقاء والصفاء والحسن والبهاء، كما أن آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة، وفيهما من الصفاء واللمعان والبريق ما هو معلوم [1] ، فهنا ضياء ونور وصفاء في كل شئ، في ظاهرهم وباطنهم، في كل ما يحيط بهم [2] ، ويبدو لى هنا لوحة وصفية يشع النور من كل أجزائها في تناسق وتلاحم. هاهم المؤمنون والنور يشع منهم، وهاهى الحور العين في صفائها ونقائها، وهاهى الآنية والأمشاط في لمعانها وبريقها، هل بقى شئ؟ نعم بقيت المجامر [3] ، وهى"الألوّة" [4] ، ولكن جعلت مجامرهم نفس العود بأن يشتعل بغير نار، بل بقوله:"كن". لقد أحيط هذا الضياء بهذه

الرائحة الطيبة مع رشحهم المسك [5] ، فلقد جاءت هذه الرائحة الطيبة من رشحهم ومن حولهم لتكتمل معالم الصورة، وبهذا يكون البيان النبوى قد وصف لنا حال هؤلاء الداخلين إلى الجنة وصفًا كاشفًا جامعًا. وهو وصف لمشاهد من عالم الغيب عرضها علينا في إيجاز وفى تناسق، وفى تلاحم عجيب جمع فيه بين أجزاء الصورة الرائعة التى شاع النور وانتشر في جميع أجزائها. وهذه

(1) أى عند الناس في الدنيا، فكيف يكون لمعانهما في الجنة التى ليس معنا منها إلا الأسماء!!

(2) فبناء الجنة كما جاء في الحديث"لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها (الطين الذى يجعل بين ساقى البناء) المسك الأظفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران"أخرجه أحمد والدارمى والترمذى من حديث أبى هريرة. وهو حديث ضعيف. وفى الحديث"ما في الجنة شجرة إلا وساقها ذهب"أخرجه الترمذى من حديث أبى هريرة. وهو حديث ضعيف أيضًا. مشكاة المصابيح 10/ 264,263

(3) يقال: ثوب مجمر ومجمر: أى مبخر بالطيب، ولعله مأخوذ من جمر النار لأن الغالب في البخور أن يجعل الجمر في المجمر، ويوضع الطيب عليه ما كان عود ونحوه ثم يتبخر به. ويقال للذى يلى ذلك: مجمر ومجمر، ومنه نعيم المجمر الذى كان يلى إجمار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الجبّان: يقال للذى يلى ذلك جامر. ينظر المجموع المغيث في غريبى القرآن والحديث مادة"جمر"1/ 346 للإمام محمد بن عيسى المدينى الأصفهانى - ط دار المدنى - جدة - ط أولى - (1406) هـ (1986) م.

(4) بفتح الهمزة وضم اللام: أى العود الهندى الذى يتبخر به. صحيح مسلم بشرح النووى 9/ 172

(5) قد يقال: وأى حاجة لهم إلى المشط وهم مرد وشعورهم لا تنسخ؟ وأى حاجة لهم إلى البخور وريحهم أطيب من المسك؟ أجاب القرطبى بأن نعيم أهل الجنة من أكل وشرب وكسوة وطيب ليس عن ألم الجوع أو ظمأ أو نتن، وإنما هى لذات متتالية ونعم متوالية، والحكمة من ذلك أنهم ينعمون بنوع ما كانوا ينعمون به في الدنيا. وقال النووى: مذهب أهل السنة أن تنعم أهل الجنة على هيئة تنعم أهل الدنيا إلا ما بينهما من التفاضل في اللذة، ودل الكتاب والسنة على أن نعيمهم لا انقطاع له. فتح البارى 6/ 374,373

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت