فهرس الكتاب
قلوبهم، إنه عند الحناجر [1] لا يتجاوزها، فلم تشرب قلوبهم حبه وفهمه كما يجب أن يكون، إنه لين [2] رطب بالنسبة لهم، سهل عليهم في الحفظ والتلاوة، أما في الفهم والعمل فهم لا رصيد لهم [3] ، فهم يرددونه ويلوون ألسنتهم به تحريفًا لمعانيه، وميلًا لأهوائهم، فصورتهم وهم يقرءون القرآن صورة خادعة لمن لم يعرف حقيقة فكرهم، فمن رآهم وهم يقرءون القرآن بسهولة ولين ظنهم من العالمين الفاقهين حيث لان القرآن لهم في التلاوة.
إن صورتهم الخادعة في العبادة لا تقف عند قراءة القرآن، بل من أوصافهم: أنكم"تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وقراءتكم مع قراءتهم، وصيامكم مع صيامهم"، فهم يقومون الليل، ويصومون النهار، ويكثرون من التلاوة للقرآن، بل ويقولون من خير قول البرية! ولكن ليس لهم روح العبادة، وإنما لهم مظاهرها وظاهرها، فهم لا يعرفون من الدين إلا القشور، وكما جاء في وصفهم"لا يجاوز إيمانهم حناجرهم". فكما أن القرآن لم يستقر في قلوبهم فهمًا وعملًا كذلك الإيمان إيمان باللسان لا بالجنان، إيمان بالأقوال لا بالأفعال، وما أبعد هذا الصنف من الناس عن حقيقة الدين. فالإيمان لم ينفذ إلى قلوبهم، إنما وقف عند حلاقيمهم، وما وقف عند الحلاقيم لا يصل إلى القلب!
ولذلك فهم"يقولون من خير قول البرية" [4] كما وصفهم البيان النبوى فكلامهم في الظاهر
(1) الحناجر: بالحاء المهملة والنون ثم الجيم جمع حنجرة بوزن قسورة، وهى الحلقوم والبلعوم، وكله يطلق على مجرى النفس، وهوطرف المرئ مما يلى الفم، وقال صاحب النهاية: الحنجرة: رأس الغلصمة حيث تراه ناتئًا من خارج الحلق والجمع حناجر. شرح الطيبى 7/ 123, وفتح البارى 12/ 301
(2) فى أكثر النسخ"لينًا"بالنون أى سهلًا، وفى كثير من النسخ"ليًا"بحذف النون. وأشار القاضى إلى أنه أكثر رواية شيوخهم، ومعناه: سهلًا لكثرة حفظهم. قال: وقيل:"ليًا"أى يلوون ألسنتهم به أى يحرفون معانيه وتأويله. قال: ويكون من اللى في الشهادة، وهو الميل قاله ابن قتيبة. صحيح مسلم بشرح النووى 7/ 164,163
(3) وقال الطيبى: لا تتجاوز قراءتهم عن ألسنتهم إلى قلوبهم فلا يؤثر فيها، أو لا يتصاعد من مخرج الحرف وحيز الصوت إلى محل القبول والإنابة. شرح الطيبى 11/ 120
(4) هو من المقلوب، والمراد:"من قول خير البرية"أى من قول الله وهو القرآن فهو خير قول البرية، ويحتمل أن يكون على ظاهره والمراد: القول الحسن في الظاهر وباطنه خلاف ذلك كقولهم: لا حكم إلا الله في جواب على رضى الله عنه. ويحتمل أن يكون المراد بـ"خير البرية"النبى صلى الله عليه وسلم. ويرى الطيبى أن الوجه الأول أولى لأن"يقولون"بمعنى يحدثون ويأخذون أى يأخذون من خير ما يتكلم به البرية. وينصره ما روى في شرح السنة أن ابن عمر = = رضى الله عنه كان يرى الخوارج شرار الخلق ويقول: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين. وما ورد في حديث أبى سعيد"يدعون إلى كتاب الله، وليسوا منا في شئ"شرح الطيبى 7/ 122