فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 215

حسن معسول، ولكن في الباطن فهمهم للدين مدخول، إن عبادتهم كلها ظواهر لا رصيد لها من إيمان أو إخلاص، وقراءتهم كلها حركات للألسنة والحناجر لا وزن لها، ولا تستند إلى فهم سديد. ولكن هل يقف وصفهم عند هذا الحد؟ لا، فهم"أحداث الأسنان" [1] صغار السن لم يسبروا أغوار العلم، ولم يعيشوا في رحابه وقتًا كافيًا فهمًا وعملًا، ولم يكتسبوا الخبرة الكافية لصغر سنهم، وضيق عطنهم [2] ، وأفن عقولهم.

وعن هذه العقول فحدث ولا حرج، ولن تجد لوصف عقولهم أبلغ من قوله - صلى الله عليه وسلم:"سفهاء الأحلام" [3] ، فعقولهم ضعيفة رديئة صغيرة لا قدرة لها على الفهم والتحليل والاستنباط، ولا عناية لها بمعالى الأمور، وإنما عنايتهم بسفاسف الأمور، فهم يهتمون بالقشور ويتركون الجوهر، يهتمون بالظاهر ويغفلون الباطن، ولا صبر لهم على فهم الدين والفقه لمقاصده، ولا ثبات عندهم أمام الشبهات، ولا رسوخ لأقدامهم في الحق، فهم متزعزعون عند الفتن، متخبطون في النوازل، يضعون الأدلة في غير مواضعها، انطلقوا إلى آيات نزلت في الكافرين فجعلوها على المؤمنين. ولذلك فهم"يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" [4] ، وما أروع هذا الوصف الدقيق لحالهم مع الدين، فهم كما يكفرون الناس على أهون الأسباب، ويأثمونهم على أصغر الأمور، فهم كذلك يخرجون من الدين بنفس السرعة التى دخلوه بها، فلا ثبات لهم على الحق، ولا نصيب لهم من الصبر، وكما يقول الشريف الرضى:"شبه عليه الصلاة والسلام دخولهم في الدين وخروجهم منه بسرعة من غير أن يتعلقوا منه بعقدته، أو يعيقوا (يلتصقوا) بطينته بالسهم"

(1) الأحداث: جمع حدث بفتحتين. والحدث: الصغير السن. هكذا في أكثر الروايات، ووقع للسرخسى والمستملى حُداث بضم أوله وتشديد الدال، ومعناه شباب جمع حديث السن أوجمع حدث، وهو كناية عن الشباب وأول العمر. قال ابن التين: حداث: جمع حديث مثل كرام جمع كريم، وكبار جمع كبير. والحديث: الجديد من كل شئ، ويطلق على الصغير بهذا الاعتبار. وفى علامات النبوة حدثاء بوزن سفهاء، وهو جمع حديث كما تقدم تقريره. والأسنان: جمع سن والمراد به العمر، والمراد أنهم شباب. شرح الطيبى 7/ 122, وفتح البارى 12/ 301

(2) وهذا لا يعنى أن العلم بالسن، وإنما المقصود: الفهم الصحيح للدين على أيدى العلماء العاملين المخلصين، والتجرد لله عزوجل، فقد يؤتى المرء الفهم وهو صبى، ومعلوم ما كان من شأن ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، وعائشة أم المؤمنين، ومعاذ بن جبل رضى الله عنهم أجمعين. وما أكثر العلماء العاملين الفاهمين الذين باشروا الفتيا والتدريس وهم في سن صغيرة كالشافعى وغيره لأنهم تلقوا العلم وأخذوه من منابعه الصافية مع الإخلاص والتجرد لله، والفهم السديد للدين، ومن نتحدث عنهم في الحديث على النقيض من هؤلاء.

(3) الأحلام: جمع حلم بكسر أوله، والمراد به العقل. والمعنى: أن عقولهم رديئة صغيرة. والسفه في الأصل: الخفة والطيش، وسفه فلان رأيه إذا كان مضطربًا لا استقامة له. شرح الطيبى 7/ 22

(4) الرمية بفتح الراء وكسر الميم وتشديد الياء: الصيد الذى ترميه وتقصده. عون المعبود 13/ 79

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت