فهرس الكتاب
الذى أصاب الرمية وهى الطريدة المرمية ثم خرج مسرعًا من جسمها، ولم يعلق بشئ من فرثها ودمها. وذلك من صفات السهم الصائب لأنه لا يكون شديد السرعة إلا بعد أن يكون قوى النزعة" [1] "
ويبدو لى في هذا التصوير النبوى الدقيق والذى رافق الوصف هنا أكثر من سر بلاغى: الأول: الصلابة والشدة عند هؤلاء في التعامل مع الناس، وفى أمور الدين، وخاصة في سفاسف الأمور. ويبدو ذلك واضحًا من خلال قوله عليه الصلاة والسلام:"كما يمرق السهم من الرمية"، وذلك من صفات السهم الصائب الصلب لأنه لا يكون شديد السرعة إلا بعد أن يكون قوى النزعة. فالصلابة في السهم، والقوة والسرعة في اندفاعه تدفعه إلى الرجوع والخروج من الطريدة بعد إصابتها. وهذا وصف دقيق لحالهم، وتصوير فريد لهم فهم لا رفق عندهم في التعامل مع الناس، يغلب عليهم جفاف الروح، وتقطيب الجبين، وتعقيد الأمور، وتضخيم الصغير، وتضغير الكبير. وهذا واقع يعرفه من عامل هؤلاء [2] وعرف حقيقة طباعهم، كما أن صلابة السهم موجودة في آرائهم، هم لا يرجعون عن آرائهم الباطلة وفهمهم المدخول للدين، ولا يزعنون للحق [3] ، فصلابة الرأى من سماتهم مع فساد ما هم عليه من الفهم، وهذه حقيقة تاريخية معروفة عن الخوارج، وحقيقة واقعية معروفة عن أشباههم اليوم! فهؤلاء يؤثرون أن يكونوا رؤوسًا في الباطل على أن يكونوا ذيولًا في الحق!
الثانى: السرعة والاندفاع عند هؤلاء، وذلك أيضًا من خلال قوله - صلى الله عليه وسلم:"يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" [4] ، والسرعة والاندفاع عند هؤلاء في الحكم على الناس بالفسق والكفر، والاندفاع في التعامل مع الناس، وعدم الصبر على تحصيل العلم، والسرعة في اتهام الناس
(1) ينظر المجازات النبوية ص 37. ويقول الطيبى:"يريد أن دخولهم في الدين ثم خروجهم منه ولم يستمكنوا منه بشئ كالسهم الذى يصيب الصيد فيدخل فيه ويخرج منه، ومن شدة سرعة خروجه لقوة الرامى لا يعلق من جسد الصيد بشئ". شرح الطيبى 7/ 123
(2) وهذه الصفات المذكورة في الحديث تنطبق تمام الانطباق على بعض من ينتسبون إلى الدين من أمثال هؤلاء الذين يسمونهم: الظاهرية الجدد أو أصحاب الفكر الواحد أو خوارج العصر، ويعرف حقيقتهم من يعمل في ميدان الدعوة على علم وهدى وبصيرة.
(3) ومعلوم ما عاناه سيدنا على رضى الله عنه من الخوارج، فلم يرجع إلى الحق إلا بعضهم، ورفض أكثرهم الرجوع، وبعد ذلك سفكوا الدماء الزكية الطاهرة من دماء أبناء الصحابة وغيرهم. وينظر في آرائهم الملل والنحل 2/ 25 للشهرستانى. ط مكتبة صبيح وأولاده.
(4) يقول الطيبى:"ضرب مثلهم في دخولهم في الدين وخروجهم منه بالسهم الذى لا يكاد يلاقيه شئ من الدم لسرعة نفوذه تنبيهًا على أنهم لا يتمسكون من الدين بشئ، ولا يلوون عليه". شرح الطيبى 7/ 129