فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 215

زورًا وبهتانًا؛ لأنهم لا يؤيدونهم فيما يذهبون إليه [1] ، إنهم يخرجون من الدين بنفس السرعة التى دخلوها فيه، وتشاهد كثيرًا من ذيول هؤلاء في عصرنا لا يلبث أحدهم في طريق الالتزام قليلًا حتى يحيد عن الحق، ويرجع إلى سابق عهده في الفسق؛ لأنه لم يتعلق من الدين إلا بالقشور التى لا تبنى علمًا، ولا تؤسس فهمًا، وسرعتهم في ذلك بقدر ما يدخل السهم في الصيد ويخرج منه بسرعة!

وليس هناك وصف دقيق يصور حالهم مع الإيجاز أبلغ من هذا الوصف النبوى. فهذا الحديث بالإضافة إلى أنه معجزة من معجزات النبى - صلى الله عليه وسلم - يشتمل على أسرار بلاغية كاشفة عن حقيقة هؤلاء في كل مكان وزمان. إن أفن عقولهم، وسوء فهمهم للدين، وصلابتهم في التمسك بالباطل، واندفاعهم في رفض الحق، كل ذلك يدفعهم إلى أن"يقتلوا أهل الإسلام، ويدعوا أهل الأوثان"كما وصفهم البيان النبوى [2]

وهذا وصف دقيق لهؤلاء المارقين في كل زمان ومكان، فهم يفعلون ذلك بالمسلمين استنادًا إلى تأويل فاسد لآيات القرآن، وفهم مدخول لحقيقة الدين. وهذه حقيقتهم في عصرنا كما كانت حقيقتهم في الماضى، وكما ستكون في المستقبل [3] ، إن الوصف النبوى هنا يتميز بخصيصة ظاهرة، وهى أنه وصف جامع كاشف مركز على أبرز صفات هؤلاء الخوارج [4]

(1) وكم رأينا من أمثال هؤلاء الذين يسارعون إلى تكفير الناس لمجرد أنهم يخالفونهم في الرأى، ويندفعون في التمسك بآرائهم الفاسدة وفهمهم المدخول، ويبادرون إلى اتهام الناس في نياتهم. نسأل الله لهم الهداية.

(2) وقد حدث ذلك في خلافة أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى الله عنه حين خرجوا عليه، وكان ممن قتلوا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذوه فأضجعوه وذبحوه على ضفة النهر، وأقبلوا على امرأته وهى حبلى متم فبقروا بطنها، وقتلوا ثلاث نسوة من طئ، وقتلوا أم سنان الصيداوية، وبعث إليهم على رضى الله عنه الحارث بن مرة العبدى يسألهم فيما بلغه عنهم فقتلوه أيضًا، ورفضوا تسليم القتلة فقاتلهم على في معركة النهروان المشهورة في سنة ثمان وثلاثين من الهجرة حتى قضى على أكثرهم. ينظر في أخبارهم تاريخ الطبرى 3/ 113 - 125 ط دار الكتب العلمية، والملل والنحل 2/ 25, وما بعدها.

(3) وكم شاهدنا وسمعنا عن هؤلاء الذين يقتلون الأبرياء بحجة الإصلاح والعودة إلى المجتمع الإسلامى، وقد عبر النبى عن ذلك بقوله:"إن من ضئضئ هذا"أى من نسله وعقبه، ومن رأيه ومذهبه، ومن على شاكلته ممن عرفهم التاريخ، وعرفهم عصرنا الذى نعيش فيه.

(4) جاءت أحاديث أخرى في وصفهم منها: ما أخرجه أبو داود في سننه من حديث أبى سعيد الخدرى وأنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"سيكون في أمتى اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتد السهم على فوقه (موضع الوتر من السهم) ، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله، وليسوا منا في شئ، من قاتلهم كان أولى بالله منهم"قالوا: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال:"التحليق". ومعنى التحليق فيه وجهان: أحدهما: استئصال الشعر من الرأس ترويجًا لخبثه وإفساده على الناس وهو كوصفهم بالصلاة والصيام. الثانى: أن يراد به تحليق القوم وإجلاسهم حلقًا حلقًا. سنن أبى داود - كتاب السنة - باب في قتال الخوارج - ح (4765) وأخرجه ابن ماجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت