فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 215

له أيضًا"لا يقولن أحدكم الكرم، فإنما الكرم قلب المؤمن" [1] ونحن هنا أمام وصف من نوع آخر. وشاهدنا في هذا الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم:"إنما الكرم قلب المؤمن"، وقوله:"فإن الكرم الرجل المسلم"والوصف النبوى هنا جاء لتصحيح لفظ طالما وضع لغير معناه الحقيقى، وفى غيرموضعه في حياة العرب في ذلك الوقت، وروعى في تصحيحه الجانب الذهنى والفكرى عند الناس.

لقد كانت العرب تطلق لفظة"الكرم" [2] على شجر العنب، وعلى العنب، وعلى الخمر المتخذة من العنب [3] ، فكره الشرع هذا الاسم لأنه يربط بين العنب والخمر المتخذة منه في أذهانهم، ولأن فيه خطأ في الفهم حيث وصفت الخمر بغير صفتها، وسميت بغير اسمها، وهذا مما يؤدى إلى التباس الأمر على بعض الناس، ويهيج في نفوسهم الاتجاه إلى مقاربتها ولذلك جاءهم بالاسم الحقيقى الذى لايلتبس بغيره وهو العنب، والحبلة [4]

وبلاغة الوصف هنا في أن جعل"الكرم قلب المؤمن"، أو"الرجل المسلم"، فلم حول النبى - صلى الله عليه وسلم - الوصف هنا إلى الرجل المسلم أو قلبه المؤمن؟ ويبدو لى هنا أكثر من سر: الأول: لفت

(1) أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة. وفى رواية أخرى من حديث علقمة بن وائل عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:"لا تقولوا الكرم، ولكن قولوا: الحبلة"يعنى العنب، وفى رواية أخرى عنه قال:"لا تقولوا الكرم، ولكن قولوا: العنب والحبلة"والروايات كلها في باب كراهة تسمية العنب كرمًا - 15/ 5,47

(2) قال أهل اللغة: يقال: رجل كرْم بإسكان الراء وامرأة كرم، ورجلان كرم ورجال كرم، وامرأتان كرم ونسوة كرم، كله بفتح الراء وإسكانها بمعنى كريم، وكريمان، وكرام، وكريمات، وصف بالمصدر كضيف وعدل. صحيح مسلم بشرح النووى 15/ 5

(3) قال الأزهرى: وسمى العنب كرمًا لأنه ذلل لقاطفه، وليس فيه سلاء يعقر جانيه، ويحمل الأصل منه مثل ما تحمل النخلة فأكثر، وكل شئ كثر فقد كرم، ولكن كره الشرع إطلاق هذه اللفظة على العنب وشجره لأنهم إذا سمعوا اللفظة ربما تذكروا بها الخمر، وهيجت نفوسهم إليها فوقعوا فيها، أو قاربوا ذلك. وقال الخطابى ما ملخصه: إن المراد بالنهى تأكيد تحريم الخمر بمحو اسمها, ولأن في تبقية هذا الاسم تقريرًا لما كانوا يتوهمون من تكرم شاربها، فنهى عن تسميتها كرمًا. وحكى ابن بطال عن ابن الأنبارى أنهم سموا العنب كرمًا لأن الخمر المتخذة منه تحث على السخاء، وتأمر بمكارم الأخلاق حتى قال شاعر: والخمر مشتقة المعنى من الكرم * فلذلك نهى عن تسمية العنب بالكرم حتى لا يسموا أصل الخمر باسم مأخوذ من الكرم، وجعل المؤمن الذى يتقى شربها، ويرى الكرم في تركها أحق بهذا الاسم. صحيح مسلم بشرح النووى 15/ 5,4, وفتح البارى 10/ 583

(4) كما في رواية مسلم السابقة، والحبلة بفتح الحاء والباء، وإسكان الباء، والفتح أشهر: شجرة العنب، وقيل: أصل الشجرة، وقيل: القضيب، وقيل: الأصل من أصوله. فتح البارى 10/ 584,583

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت