فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 215

انتباه المسلم، وتحويل فكره عن كل ما يذكر بالمعصية أو يقاربها [1] ، وتحويل الفكر إلى كل ما يذكر بالطاعة ويحض عليها، ويبدو ذلك واضحًا من إرادته - صلى الله عليه وسلم - أن يصرف أذهانهم وأفكارهم عن كل ما يتصل بالخمر من قريب أو بعيد [2] ، وتحويل أفكارهم إلى كل ما يقرب من الطاعة بربطه هذا الاسم بصفة من صفات المسلم أو قلبه المؤمن، وهى من الصفات التى يحبها الله.

الثانى: ربط المسلم بالقرآن الكريم، فوصف المسلم بـ"الكرم"قد جاء في القرآن حيث

يقول تعالى: { ... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ... } (الحجرات: 13) [3] ، وفى هذا تحويل المسلم إلى الوجهة السليمة مع إضافة معان جديدة تتصل بالمسلم، وما يجب أن يكون عليه من تقوى الله عز وجل. وهذا التصويب النبوى فيه معجزة ظاهرة. فكما كانت العرب قديمًا تسمى الخمر بغير اسمها، فلقد نبتت نابتة اليوم تسلك نفس السبيل [4] ، ومن أسرار جمال هذا الحديث:

(1) قال الطيبى: وتلخيص المعنى تخطئة رأى من سمى العنب بالكرم نظرًا إلى أنه يتخذ منه الخمر، وشربها يولد الكرم وتسفيههم فيها لأنها أم الخبائث والرجس الذى هو من عمل الشيطان. شرح الطيبى على المشكاة 9/ 83

(2) فالإسلام كما حرم الانتفاع بالخمر بكل الوسائل المباشرة وغير المباشرة نهى عن كل ما يدعو إلى تذكرها من الألفاظ ليسد منافذ الحرام. فلقد نهى الشرع عن تخليل الخمر أو التداوى بها، أو بيعها، أو إهدائها بعد تحريم شربها. فعن أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر يتخذ خلًا؟ فقال:"لا"أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذى وصححه. وعن وائل بن حجر أن طارق بن سويد الجعفى سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه عنها، فقال: إنما أصنعها للدواء. قال:"إنه ليس بدواء، ولكنه داء"أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذى وصححه. نيل الأوطار 9/ 87,69,49

(3) فأراد النبى صلى الله عليه وسلم أن يقرر ويشدد ما في هذه الآية بطريقة أنيقة ومسلك لطيف، فبصر أن هذا النوع من غير الأناسى المسمى بالاسم المشتق من الكرم أنتم أحقاء بأن لا تأهلوه بهذه التسمية، ولا تسلموها له غيرة للمسلم التقى، ورفعة لمنزلته أن يشارك فيما سماه الله تعالى. وليس الغرض حقيقة النهى عن تسمية العنب كرمًا، ولكن الغرض بيان أن المستحق للاسم المشتق من الكرم المسلم، ونظيره في الأسلوب قوله تعالى: (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ... ) (البقرة: 138) شرح الطيبى 9/ 83

(4) ولقد أشار النبى صلى الله عليه وسلم إلى هذه الفئة من الناس في أكثر من حديث فقال:"ليشربن أناس من أمتى الخمر، ويسمونها بغير اسمها"أخرجه أحمد وأبو داود من حديث مالك الأشعرى. وقال أيضًا:"لتستحلن طائفة من أمتى الخمر، باسم يسمونها إياه"أخرجه أحمد وابن ماجة من حديث عبادة بن الصامت. وقال ابن ماجة:"تشرب"مكان"تستحل"، وقال صلى الله عليه وسلم:"لا تذهب الليالى والأيام حتى تشرب طائفة من أمتى الخمر، ويسمونها بغير اسمها"أخرجه ابن ماجة من حديث أبى أمامة. وهذه الاحاديث منها ما سنده جيد، ومنها ما سنده صحيح. وهى أحاديث يقوى بعضها بعضًا كما قال الشوكانى. ويراجع تخريج هذه الأحاديث في نيل الأوطار 9/ 63,61. ولقد ذكر ابن القيم أنهم يسمونها في زمنه"أم الأفراح"، وفى عصرنا يسمونها"مشروبات روحية"، ونحو ذلك. فليتأمل المسلم!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت