فهرس الكتاب
وصف المسلم ووصف قلبه المؤمن بـ"الكرم"فالنبى - صلى الله عليه وسلم - لما بين لهم أن الخمر أم الخبائث والرجس الذى هو من عمل الشيطان، صوب رأى من رأى استحقاق هذا بقلب المؤمن الطاهر عن أوضار الرجس والآثام، وأنه معدن مكارم الأخلاق ومنبعها، ومركز التقوى، وأحرى أن يسمى كرمًا. قال تعالى: { ... فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ... } (الحج: 32) ، وقال: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ... } (الحجرات: 13) كأنه - صلى الله عليه وسلم - نبه المسلمين على التحلى بالتقوى والتزيى به، وأنه رأس مكارم الأخلاق لا ما ذهب إليه الجاهلية [1] فسمى قلب المؤمن كرمًا لما فيه من نور الإيمان وهدى الإسلام، وسماه كرمًا لما فيه الهدى والنور والتقوى، والصفات المستحقة لهذا الاسم وكذلك الرجل المسلم [2] ، وللإمام أبى محمد بن أبى جمرة تحليل دقيق حول الوصف في هذا الحديث، وملخصه"لما كان اشتقاق الكرم من الكرم، والأرض الكريمة هى أحسن الأرض فلا يليق أن يعبر بهذه الصفة إلا عن فلب المؤمن الذى هو خير الأشياء؛ لأن المؤمن خير من الحيوان، وخير ما فيه قلبه، لأنه إذا صلح صلح الجسد كله، وهو أرض لنبات شجرة الإيمان. ويؤخذ منه أن كل خير - باللفظ أو المعنى أو بهما أو مشتقًا منه أو"
مسمى به - إنما يضاف بالحقيقة الشرعية لأن الإيمان وأهله وإن أضيف إلى ما عدا ذلك فهو بطريق المجاز، وفى تشبيه الكرم بقلب المؤمن معنى لطيف لأن أوصاف الشيطان تجرى مع الكرمة كما يجرى الشيطان في بنى آدم مجرى الدم، فإذا غفل المؤمن عن شيطانه أوقعه في المخالفة و كما أن من غفل عن عصير كرمة تخمر فتنجس، ويقوى التشبيه أيضًا أن الخمر يعود خلًا من ساعته بنفسه أو بالتخليل فيعود طاهرًا. وكذا المؤمن يعود من ساعته بالتوبة النصوح طاهرًا من خبث الذنوب المتقدمة التى كان متنجسًا باتصافه بها إما بباعث من غيره من موعظة ونحوها، وهو كالتخليل، أوبباعث من نفسه وهو كالتخلل. فينبغى للعاقل أن يتعرض لمعالجة قلبه لئلا يهلك وهو على الصفة المذمومة [3] وكما جاء تصحيح الاسم والوصف من النبى - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث، وذلك بتحويل الوصف بـ"الكرم"إلى الرجل المسلم أو قلبه المؤمن جاء وصف آخر في مقام
(1) وهو من باب المشاكلة نحو قوله تعالى: (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون) (البقرة: 138)
(2) ينظر صحيح مسلم بشرح النووى 15/ 5,4, وشرح الطيبى على المشكاة 9/ 83, وفتح البارى 10/ 583
(3) ينظر فتح البارى 10/ 583. هذا والوصف بـ"الكرم"قد جاء في أحاديث أخرى تبين ما لهذه الصفة من مكانة ومنزلة لأجلها استحق قلب المؤمن أن يوصف بها، ففى الحديث"قيل: من أهل الكرم يا رسول الله؟ قال:"مجالس الذكر في المسجد"أخرجه أحمد، وحديث"سيعلم أهل الجمع من أهل الكرم"أخرجه أحمد، وحديث"إن الله كريم يحب الكرم"أخرجه الترمذى، وحديث"كرم الرجل دينه"أخرجه أحمد، وغير ذلك من الأحاديث. ويراجع المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوى في مادة"كرم"6/ 1 - 3 ط بريل - ليدن - (1967) م."