دأب الكفار مع رسلهم، قالوا: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} (الشعراء: من الآية 116) .
{وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا} تُذعنوا {لِي فَاعْتَزِلُونِ} اتركوني من أذيتكم لأني قد أبلغتكم، فلم يتركوه من الأذية.
{فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ} كما دعاه نوح عليه السلام بقوله: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} (القمر: من الآية 10) وقد بسط الله قصة موسى عليه السلام في مواضع، كالبقرة والأعراف وطه والشعراء وغيرها، وهنا أتى بإشارة إليها، قال الله تعالى:
{فَأَسْرِ} بوصل الهمزة وقطعها [1] {بِعِبَادِي} الذين آمنوا {لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} وفي الشعراء: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} (الشعراء: 52) يتبعكم فرعون وجنوده.
{وَاتْرُكِ الْبَحْرَ} الذي أمره أن يضربه بعصاه، فانفرق وجعل تعالى فيه طريقًا يبسًا {رَهْوًا} ساكنا منفرجًا، ليدخله فرعون وقومه، {إِنَّهُمْ جُنْدٌ} أي فرعون ومن معه، كما قال تعالى: {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ} (يونس: من الآية 90) {مُغْرَقُونَ} كما قال تعالى: {فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} {طه: من الآية 78) وكما قال: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} (الزخرف: 55) ثم أخبر عما تركوه من النعم التي سلبهم الله إياها بكفرهم، فقال:
{كَمْ تَرَكُوا} إخبارٌ بكثرة ما تركوا {مِنْ جَنَّاتٍ} ، بساتين كافة على جانبي النيل {وَعُيُونٍ} تجري من النيل في أراضيهم ودورهم.
{وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} مجلس حسن.
{وَنَعْمَةٍ} متعة {كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ} وتقدم: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ
(1) وهما قراءتان متواترتان؛ فقرأ بالوصل نافع وابن كثير وأبو جعفر، والباقون بقطع الهمزة، انظر: إتحاف فضلاء البشر ص 499، والبدور الزاهرة ص 363.