الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة [1] غبراء، حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أم ما بقي أنفذوا الزاد وحسروا [2] الظهر، وبقوا بين ظهراني المفازة [3] ؛ لا زاد ولا حمولة، فأيقنوا بالهلكة، فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلة يقطر رأسه فقالوا: إن هذا قريب عهد بزيف، وما جاءكم هذا إلا من قريب، فلما انتهى إليهم قال: يا هؤلاء علام أنتم؟ قالوا: على ما ترى؟ قال: أرأيتم إن هديتكم على ماء رواء، ورياض خضر، ما تجعلون لي؟ قالوا: لا نعصيك شيئًا. قال: عهودكم ومواثيقكم بالله. قال: فأعطوه عهودهم، ومواثيقهم بالله لا يعصونه شيئًا، قال: فأوردهم ماء ورياضًا خضراء. قال: فمكث فيهم ما شاء الله. ثم قال: يا هؤلاء الرحيل، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى ماء ليس كمائكم ورياض ليست كرياضكم، قال: فقال جُلُّ القوم وهم أكثرهم: والله ما وجدنا هذا حتى ظننَّا أن لن نجده، وما نصنع بعيش هو خير من هذا! قال: وقالت طائفة وهم أقلهم: ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله لا تعصونه شيئًا، وقد صدقكم في أول حديثه، فوالله ليصدقنكم في آخره، فراح بمن اتبعه وتخلف بقيتهم فبادرهم عدوهم فأصبحوا بين أسير وقتيل» [4] .
(1) المفازة: الفلاة لا ماء فيها، وسميت الصحراء مفازة لأن من خرج منها وقطعها فاز.
(2) حسر الظهر: أعيى دابته.
(3) بين ظهراني المفازة: في وسطها.
(4) جامع الأحاديث والمراسيل.