الصفحة 9 من 41

المثال الثالث

انشغال أهلها بنعيمها عن الآخرة

لها ولأهلها في اشتغالهم بنعيمها عن الآخرة وما يعقبهم من الحسرات مثل أهلها في غفلتهم، مثل قوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة، وحذرهم الإبطاء، وخوفهم مرور السفينة، فتفرقوا في نواحي الجزيرة، فقضى بعضهم حاجته، وبادر إلى السفينة فصادف المكان خاليًا، فأخذ أوسع الأماكن وألينها وأوفقها لمراده، ووقف بعضهم في الجزيرة ينظر إلى أزهارها وأنوارها العجيبة، ويسمع نغمات طيورها، ويعجبه حسن أحجارها، ثم حدثته نفسه بفوت السفينة وسرعة مرورها وخطر ذهابها، فلم يصادف إلا مكانًا ضيقًا فجلس فيه، وأكب بعضهم على تلك الحجارة المستحسنة والأزهار الفائقة، فحمل منها حمله، فلما جاء لم يجد في السفينة إلا مكانًا ضعيفًا، وزاده حمله ضيقًا فصار محموله ثقلًا عليه ووبالًا، ولم يقدر على نبذه؛ بل لم يجد من حمله بدًا ولم يجد له في السفينة موضعًا، فحمله على عنقه وندم على أخذه، فلم تنفعه الندامة، ثم ذبلت الأزهار وتغيرت أراييجها وآذاه نتنها.

وتولج [1] بعضهم في تلك الغياض [2] ونسي السفينة وأبعد في نزهته، حتى أن الملاح نادى بالناس عند دفع

(1) تولج: دخل وتوغل.

(2) الغياض: جمع غضية وهي الأشجار المجتمعة الكثيفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت