المثال الثامن عشر
خطاب الدنيا
وهو من أحسن الأمثلة: ملك بنى دارًا لم ير الراؤون ولم يسمع السامعون أحسن ولا أوسع ولا أجمع لكل ملاذ النفوس منها، ونصب لها طريقًا، وبعث داعيًا يدعو الناس إليها، وأقعد على الطريق امرأة جميلة قد زينت بأنواع الزينة، وألبست أنواع الحلي والحلل، وممر الناس كلهم عليها، وجعل لها أعوانًا وخدمًا، وجعل تحت يدها ويد أعوانها زادًا للمارين السائرين إلى الملك في تلك الطريق، وقال لها ولأعوانها: من غض طرفه عنك، ولم يشتغل بك عني، وابتغى منك زادًا يوصله إلي فاخدميه وزوديه، ولا تعوقيه عن سفره إلي، بل أعينيه بكل ما يبلغه في سفره، ومن مد إليك عينيه ورضي بك وآثرك علي وطلب وصالك، فسوميه سوء العذاب وأوليه غاية الهوان، واستخدميه واجعليه يركض خلفك ركض الوحش. ومن يأكل منك فاخدعيه به قليلًا ثم استرديه منه واسلبيه إياه كله، وسلطي عليه أتباعك وعبيدك، وكلما بالغ في محبتك وتعظيمك وإكرامك، فقابليه بأمثاله قلى [1] وإهانة وهجرًا، حتى تتقطع نفسه عليك حسرات، فتأمل هذا المثال وحال خطاب الدنيا وخطاب الآخرة. والله المستعان.
وهذا المثل مأخوذ من الأثر المروي عن الله عز
(1) القلى: الهجر والتباعد.