منقطعة فانية، ولو كانت مدتها أكثر مما هي، والآخرة أبدية لا انقطاع لها، ولا نسبة للمحصور إلى غير المحصور؛ بل لو فرض أن السماوات والأرض مملوءتان خردلًا، وبعد كل ألف سنة طائر ينقل خردلة لفني الخردل، والآخرة لا تفنى؛ فنسبة الدنيا إلى الآخرة في التمثيل، كنسبة خردلة واحدة إلى ذلك الخردل، ولهذا لو أن البحر يمده من بعده سبعة أبحر، وأشجار الأرض كلها أقلام يكتب بها كلام الله، لنفدت الأبحر والأقلام، ولم تنفد كلمات الله؛ لأنها لا بداية ولا نهاية لها، والأبحر والأقلام متناهية.
قال الإمام أحمد وغيره: لم يزل الله متكلمًا إذا شاء، وكماله المقدس مقتض لكلامه، وكماله من لوازم ذاته؛ فلا يكون إلا كاملًا، والمتكلم أكمل ممن لا يتكلم، وهو سبحانه لم يلحقه كلل ولا تعب ولا سآمة من الكلام، وهو يخلق ويدبر خلقه بكلماته؛ فكلماته هي التي أوجد بها خلقه وأمره، وذلك حقيقة ملكه وربوبيته وإلهيته، وهو لا يكون إلا ربًا ملكًا إلها لا إله إلا هو. والمقصود أن الدنيا نفس من أنفاس الآخرة وساعة من ساعاتها.