وأول الحديث مثَّل للشَّرَِه في جمع الدنيا الحريص على تحصيلها؛ فمثاله مثال الدابة التي حملها شرَهُ الأكل على أن يقتلها حبطًا أو يلمّ إذا لم يقتلها؛ فإن الشَّرِهَ الحريص إما هالك وإما قريب من الهلاك؛ فإن الربيع ينبت أنواع البقول والعشب، فتستكثر منه الدابة حتى ينتفخ بطنها؛ لما جاوزت حد الاحتمال، فتنشق أمعاؤها وتهلك، كذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها ويحبسها، أو يصرفها في غير حقها.
وآخر الحديث: مثل للمقتصد بآكلة الخضر الذي تنتفع الدابة بأكله، ولم يحملها شرهها وحرصها على تناولها منه فوق ما تحتمله، بل أكلت بقدر حاجتها وهكذا. هذا أخذ ما يحتاج إليه ثم أقبل على ما ينفعه، وضرب ببول الدابة وثلطها مثلًا لإخراجه المال في حقه؛ حيث يكون حبسه وإمساكه مضرًا به، فنجا من وبال جمعه بأخذ قدر حاجته منه، ونجا من وبال إمساكه بإخراجه كما نجت الدابة من الهلاك بالبول والثلط.
وفي هذا الحديث إشارة إلى الاعتدال والتوسط بين الشره في المرعى القاتل بكثرته، وبين الإعراض عنه وتركه بالكلية فتهلك جوعًا، وتضمن الخبر أيضًا إرشاد المكثر من المال إلى ما يحفظ عليه قوته وصحته في بدنه وقلبه، وهو الإخراج منه وإنفاقه ولا يحبسه فيضره حبسه، وبالله التوفيق.