وكقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} (فاطر 29 - 30)
قال ابن عاشور: ووقع الالتفات من التكلم في قوله:"مما رزقناهم"إلى الغيبة ـ في قوله"ليوفهم"ــ رجوعًا إلى سياق الغيبة من قوله"يتلون كتاب الله"أي ليوفي الله الذين يتلون كتابه [1] .
وكقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة، الآية 23) .
فالالتفات في هذه الآية في تغير الأسلوب من صيغة التكلم في قوله"مما نزلنا"وكذا في"عبدنا"إلى صيغة الغيبة في قوله تعالى:"من دون الله"فالآية بدأت بضمير المتكلم ليوثق نسبة هذا المنزل ويوضح مصدره الحقيقي رغم أنف المعارضين ثم تأتي كلمة"عبدنا"لتبين صلة النبي صلى الله عليه وسلم بالله وتؤكد عبوديته وخضوعه التام لربه ثم تلتفت الآية إلى أسلوب الغيبة في لفظ الجلالة - الله - لتزيد الأمر شرفًا وتعلي قدره وتوضح أمرًا دقيقًا وهو أن صاحب هذا الضمير السابق هو الله ذو الألوهية والعبودية على الخلق أجمعين، وقد ذكر أبو السعود في تفسيره ثلاث فوائد للالتفات في هذه الآية، الأولى: لإدخال الروعة وتربية المهابة، والثانية: الإيذان بكمال سخافة عقولهم حيث أثروا على عبادة من له الألوهية الجامعة لجميع صفات الكمال عبادة مالا أحقر منه. والثالثة: تربية المهابة وترسيخ
(1) المصدر السابق 1/ 3487.