قال الألوسي: وإنما أسند النعمة إليه تعالى تقربًا والمقصود طلب الهداية إلى صراط من ثبت إنعام الله تعالى عليه وتحقق ولذلك أتى بالفعل ماضيًا وانحرف عن ذلك عند ذكر الغضب إلى الغيبة تأدبًا ولأن من طلب منه الهداية، ونسب الأنعام إليه لا يناسب نسبة الغضب إليه لأنه مقام تلطف وترفق وتذلل لطلب الإحسان فلا يناسب مواجهته بوصف الانتقام، وقد عد ابن الأثير في كنز البلاغة والتنوخي في الأقصى القريب بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله نوعًا غريبًا من الالتفات، فإن كان الالتفات كما في استعمال الأدباء والمتقدمين بمعنى الافتنان فلا غبار عليه، وإن كان بالمعنى المتعارف فلك أن تقول على رأى السكاكي الذي لا يشترط تعدد التعبير بل مخالفة مقتضى الظاهر، أن المخاطب إذا ترك خطابه وبنى ما أسند إليه المفعول والمحذوف كالغائب فلا مانع أن يسمى التفاتًا، فكما يجرى في الانتقال من مقدر إلى محقق يجري في عكسه وهو معنى بديع كما قاله الشهاب. [1] .ا. هـ
كقوله تعالى: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78) } (يونس، 78)
ففي هذه الآية التفات من خطاب الواحد في قوله"أجئتنا لتلفتنا"إلى خطاب التثنية في قوله"وتكون لكما"و"وما نحن لكما".
(1) روح المعاني، جـ 1، ص 131.