فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 44

لهم عن مقام الحضور فهو من الالتفات الذي نكتته أن ما أجري على المخاطب من صفات النقص والفظاعة قد أوجب إبعاده عن البال وإعراض البال عنه، فيشار إلى هذا الإبعاد بخطابه بخطاب البعد فهو كناية.

وقد حسن الالتفات لأنه مؤذن بانتقال الكلام إلى سوء مقابلتهم للدعوة المحمدية وهو غرض جديد، فإنه لما تحدث عنهم بما هو من شؤونهم من أنبيائهم وجه الخطاب إليهم، ولما أريد الحديث عنهم في إعراضهم عن النبي صلى الله عليه وسلم صار الخطاب جاريًا مع المؤمنين، وأجرى على اليهود ضمير الغيبة [1] ،وأما أبو السعود فقد ذكر الفائدة من هذا الالتفات إلى الغيبة بقوله:"إشعارًا بإبعادهم عن رتبة الخطاب" [2] .

وقال الألوسي:"فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضًا عن مخاطبتهم وإبعادًا لهم عن عز الحضور" [3] .

وكقوله تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) }

(الأنعام 3 - 4) .

ففي الآية التفات من الخطاب في قوله:"يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون"إلى الغيبة في قوله"وما تأتيهم"قال الطاهر بن عاشور:"ففي العدول عن الخطاب"

(1) التحرير والتنوير 1/ 344.

(2) إرشاد العقل السليم 1/ 127.

(3) روح المعاني 1/ 318.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت