يناسب الانتقال إلى ما انتقل إليه صار من أفانين البلاغة، وكان معدودًا عند بلغاء العرب من النفائس، وقد جاء منه في القرآن ما لا يحصى كثرة من دقة المناسبة في الانتقال [1] .
ومما لا شك فيه أن أسلوب القرآن الكريم قد بلغ القمة في الفصاحة والبلاغة والبيان ومن هذه الأساليب أسلوب الالتفات الذي انبرى له أساطين علماء البلاغة والتفسير، واهتموا به، قال ابن عاشور: وكذلك الإكثار من أسلوب الالتفات المعدود من أعظم أساليب التفنن عند بلغاء العربية فهو في القرآن كثير ثم الرجوع إلى المقصود فيكون السامعون في نشاط متجدد بسماعه، وإقبالهم عليه، ومن أبدع أمثلة ذلك قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [2] الآيات (البقرة 17 - 20) .
وقال ابن الأثير الجزري [3] :"وهذا النوع وما يليه [4] من خلاصة علم البيان التي حولها يدندن وإليها تستند البلاغة وعنها يعنعن ... ويسمى أيضًا شجاعة العربية وإنما تسمى بذلك لأن الشجاعة هي الإقدام وذاك أن الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره ويتورد ما لا يتورده سواه وكذلك الالتفات في الكلام فإن اللغة العربية تختص به دون غيرها من اللغات [5] ."
(1) التحرير والتنوير 1/ 61.
(2) التحرير والتنوير 1/ 65.
(3) هو: أبو الفتح نصر الله بن محمد بن محمد بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير الجزري الملقب ضياء الدين المتوفى سنة 637 هـ. (وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان 5/ 389) .
(4) يقصد بقوله وما يليه"توكيد الضميرين"2/ 17.
(5) المثل السائر 2/ 3.