الصفحة 16 من 47

من الموانع المهمة التي تؤثر في قبول ورد المسائل الشرعية، لا سيما المسائل العلمية التي وقع فيها الخلاف بين الأمة: التفاوت الواقع في أمرين مترابطين:

الأول: في قابلية استيعاب العوام لفهم دلالة تلك المسائل وأدلتها والتمييز بين الاختلاف الواقع بين هذه الدلالات والأدلة.

والثاني: في دقة المسائل الشرعية نفسها، حيث يتفاوت ذلك تفاوتًا كبيرًا بين مسائل ظاهرة الوضوح دلالة وأدلة، ومسائل خفية دقيقة دلالة، وأدلة لا يهتدي إلى الحق فيها إلا من آتاه الله تعالى نظرًا محققًا ونقلًا مصدقًا وتوفيقًا من عند الله مباركًا.

من الواضح أن التفاوت الأول هو تفاوت فطري، والثاني هو تفاوت قدري، وبالتالي فلا لوم على أحد فيهما. إن اجتماع هذين التفاوتين سبب معتبر للخلاف، لا سيما في المسائل العلمية الدقيقة. ولكن هل يسلم لمثل هذا الخلاف؟ لا شك أنه لا يسلم إلا للحق من حيث هو حق، ولكن يراعى هذا التفاوت من جهة زيادة البيان إيضاحًا ومن جهة الرفق فيه، ثمّ من جهة إعذار المخالف بعدم رميه بأحكام التكفير والتبديع ونحوها.

قال في المجموع (3/ 312) : لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانًا عامًا مجملًا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسول، وداخل في تدبر القرآن وعقله وفهمه، وعلم الكتاب والحكمة وحفظ الذكر، والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ونحو ذلك مما أوجبه على المؤمنين فهو واجب على الكفاية منهم.

وأما ما يجب على أعيانهم فهذا يتنوع بتنوع قدرهم ومعرفتهم وحاجتهم، وما أمر به أعيانهم فلا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما يجب على القادر على ذلك، ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها، ويجب على المفتي والمحدث والمجادل ما لا يجب على من ليس كذلك"أ. هـ."

وقال في المجموع (3/ 314) :"فإذا كان كثير مما تنازعت فيه الأمة - من هذه المسائل الدقيقة - فقد يكون عند كثير من الناس مشتبهًا لا يقدر فيه دليل يفيد اليقين، لا شرعي ولا غيره، لم يجب على"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت