الصفحة 18 من 47

اجتهد الاجتهاد التام. هذا على قول السلف والأئمة في أن من اتقى الله ما استطاع إذا عجز عن معرفة بعض الحق لم يعذب به"أ. هـ."

من الموانع المهمة لقبول الحق أو الصواب هو شيوع الباطل أو الخطأ، حيث يكون هذا الشيوع عند عوام المسلمين مظنة إلى كون الحق معه لشيوعه وانتشاره عند علمائهم وأئمتهم. ومن المعلوم أن العامي لاحظ له ولا خبرة بالأدلة والاستدلال، وبالتالي فلا بد من التدرج والتبسط والرفق في البيان، حتى يحصل المقصود من البيان وإظهار الحجة وإقامتها، ومن ثم يترتب العقاب على من خالفها بلا مانع معتبر في الشرع.

قال في المجموع (3/ 239) :"والذي على السلطان في مسائل النزاع بين الأمة أحد أمرين: إما أن يحملهم كلهم على ما جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة، لقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء/ 59] . وإذا تنازعوا فهم كلامهم (أي كلام السلف) : إن كان ممن يمكنه فهم الحق فإذا تبين له ما جاء به الكتاب والسنة دعى الناس إليه، وأن يقر الناس على ما هم عليه، كما يقرهم على مذاهبهم العلمية."

فأما إذا كانت البدعة ظاهرة - تعرف العامة أنها مخالفة للشريع - كبدعة الخوارج والروافض والقدرية والجهمية فهذه على السلطان أن ينكرها، لأن علمها عام، كما عليه الإنكار على من يستحل الفواحش والخمر وترك الصلاة، ونحو ذلك.

ومع هذا فغقد يكثر أهل الأهواء في بعض الأمكنة والأزمنة حتى يصير بسبب كثرة كلامهم مكافئًا - عند الجهال - لكلام أهل العلم والسنة حتى يشتبه الأمر على من يتولى أمر هؤلاء فيحتاج حينئذ إلى من يقول بإظهار حجة الله وتبيينها حتى يكون العقوبة بعد الحجة.

وإلا فالعقوبة قبل الحجة ليست مشروعة: قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا} [الإسراء/ 15] . ولهذا قال الفقهاء في البغاة إن الإمام يراسلهم فإن ذكروا شبهة بينها، وإن ذكروا مظلمة أزالها، كما أرسل علي ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم حتى رجع منهم أربعة آلاف، وكما طلب عمر بن عبد العزيز دعاة القدرية والخوارج فناظرهم حتى رجع منهم أربعة آلاف، وكما طلب عمر بن عبد العزيز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت