إن هذا الباب تبع لسابقه في التوكيد على أهمية معرفة تفاوت أهل البدع في قربهم وبعدهم عن الحق، وبالتالي بيان الحق والنصح لهم بقدر ذلك.
ولا يمكن بحال التسوية بين المتفاوتات كما لا يمكن التسوية بين المتخالفات. حيث إن اشتراك المذاهب والفرق في وقوعها في جنس الخطأ أو جنس البدعة لا يبرر التعامل معها على حد واحد، بل لا بد من النظر إلى تفاوت درجة الخطأ ودرجة البدعة لتحقيق حسن التعامل بما يحقق ما يجب من الإصلاح.
إن الطبيب لا يمكن أن يرفض مريضه لأنه مريض، كما إنه لا يشنع عليه ما فيه من العلل، بل يتلطف به، ويؤمله بالشفاء بإذن الله ثم يعطيه العلاج المناسب لعلته نوعًا وقدرًا وأسلوبًا، ذلك لأن العليل مقصده في طبه دون سائر الناس، وهو يدرك أن المرض أصنافًا وألوانًا ودرجات متفاوتة بين الحياة إلى الموت. بل تراه يتفحص مريضه عسى أن يكون قد خف عن المرض درجة أو درجتين، ثم هو يفرح بذلك أشد الفرح لدلالة ذلك على القرب من الشفاء، وحتى لو علم أن الشفاء قد لا يتحقق فإنه يفرح بخفة المرض الذي يكون بديل الشفاء حين لا يتحقق الشفاء.
وإذا صدق هذا الوصف في حكيم الأبدان، فإنه لا بد أن يكون أصدق في حكيم الأديان، ألا وهو الداعية إلى الله تعالى مع من يدعوه من الناس، وكلما كان المدعو أبعد عن الإسلام كلما كانت المهمة أعظم وكان الأجر من رب العزة أجزل لما يتحمله هذا الداعية من الصبر والمداراة واستحصال الحكمة التي أمر الله بها وما يتطلبه ذلك من تقدير المصالح والمفاسد والتدرج على حسب درجة البدعة أو الخطأ وحال صاحبها.
إن اعتبار مقياس القرب إلى المنهج الصحيح ضمن الأمة المسلمة أصلح لبعض أهل البدع من اعتبار البعد عن المنهج الصحيح، ولذلك يؤكد شيخ الإسلام هذا الاعتبار - اعتبار القرب إلى السنة - بالنسبة لبعض أهل البدع الكبيرة كالأشاعرة والمرجئة ونحوهم في مقابل أهل البدع الأكبر مثل الجهمية والشيعة والخوارج ونحوهم.
قال في كلامه على الروافض (2/ 356 - 357) :"ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق،"