قد استوفى تحقيق إثبات الشروط وانتفاء الموانع. وهو في الحقيقة مخطئ، ذلك لأن الموانع أمر نسبي يختلف من شخص لآخر كما يختلف باختلاف الأحوال، فما يمكن أن يفهمه شخص معين، قد لا يفهمه شخص آخر لاختلاف المدارك واختلاف البنية العلمية السابقة، وهذا لا يمكن ضبطه البتة. كما إن كثيرًا من الناس يُعلم أنهم صادقون مع أنفسهم في ردهم الحق ظنًا منهم أنه خطأ وأن ما عندهم هو الحق الذي جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولكن تعرض عليهم شبه لا يمكن ضبطها، يعجزون معها على فهم الحق. فهؤلاء لا يمكن أن يقال عنهم أن الحجة أقيمت عليهم حتى لو بذل الداعي لهم عظيم وسعه في إفهامهم والنصح لهم بما يمليه عليه واجب الدعوة والبيان. وإذا كان هذا صحيحًا عند المخالفين، فإن ضبط الصدق أمر غيبي متعسر ليس هو مما كلف الله به العباد أن ينقبوا عنه في قلوب بعضهم، وإنما يتولى الله تعالى وحده سرائر الناس، ولأن الله تعالى يعلم أن العباد عاجزون عن ضبط ذلك، وأنهم إذا أصابوا في البعض فإنهم سيخطئون في البعض الآخر.
ونذكر أدناه أهم الموانع التي من شأنها أن تكون عذرًا للمسلم في عدم المؤاخذة بما فعل من باطل:
الجهل هو من أعظم أسباب التخلف والضعف في الأمة، كما قال تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولا} [الأحزاب/ 72] . وقد أرسل الله تعالى الرسل مبلغين ومبشرين ومنذرين؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور معبدين لله تعالى كما أمر، مقيمين لشرعه كما حكم. ولكن، من رحمة الله تعالى على عباده أن جعل الجهل عذرًا في عدم العذاب كما قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء/ 15] ، ولكنه عذر قدري، لا يجوز التمسك به أو إبقائه إن أمكن رفعه بالعلم، وغلا ما أرسل الله رسله، ولا أنزل كتبه، ولا أمر بالدعوة إلى سبيله، ولأعذر الناس بجهلهم وأدخلهم الجنة.
وقد يحصل الجهل مع عدم التمكن من العلم، وقد يحصل مع التمكن من العلم بسبب هوى أو تقصير أو انشغال بالدنيا، فيؤاخذ المرء بقدر ذلك الهوى والتقصير، لا يؤاخذ كمن هو عالم غير جاهل، وتفصيل هذا في غير هذا الموضع.