النصارى في المسلمين - كما يذكره طائفة في مثالبه، ويذكرون أنه أوصى أخته بذلك - فهذا كذب عليه. وإنما افترى هذا عليه المعتزلة و الجهمية الذين رد عليهم، فإنهم يزعمون أن من أثبت الصفات فقد قال بقول النصارى. وقد ذكر مثل ذلك عنهم الإمام أحمد في (الرد على الجهمية) ، وصار ينقل هذا من ليس من المعتزلة من السالمية، ويذكره أهل الحديث والفقهاء الذين ينفرون عنه لبدعته في القرآن، ويستعينون بمثل هذا الكلام الذي هو من افتراء الجهمية والمعتزلة عليه، ولا يعلم هؤلاء إن الذين ذموه بمثل هذا هم شر منه، وهو خير وأقرب إلى السنة منهم.
وأبن كلاب لما رد على الجهمية لم يهتد لفساد أصل الكلام المحدث الذي ابتدعوه في دين الإسلام، بل وافقهم عليه، وهؤلاء الذين يدمون ابن كلاب والأشعري بالباطل هم من أهل الحديث.
والمقصود هنا التنبيه على أصل مقالات الطوائف. وابن كلاب أحدث ما أحدثه لما اضطره إلى ذلك من دخول أصل كلام الجهمية في قلبه. وقد بين فساد قولهم بنفي علو الله ونفي صفاته، وصنف كتبًا كثيرة في أصل التوحيد والصفات، وبين أدلة كثيرة عقلية على فساد قول الجهمية، وبين فيها أن علو الله على خلقه ومباينته لهم من المعلوم بالفطرة والأدلة العقلية القياسية، كما دل على ذلك الكتاب والسنة.
لكن الأصل العقلي الذي بنى عليه ابن كلاب قوله في كلام الله وصفاته هو أصل الجهمية والمعتزلة بعينه"أ. هـ."
وقال في المجموع (7/ 622) :"وكان أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان له فضيلة ومعرفة رد بها على الجهمية و المعتزلة نفاة الصفات، وبين أن الله نفسه على العرش، وبسط الكلام في ذلك، ولم يتخلص من شبهة الجهمية كل التخلص، بل ظن أن الرب لا يتصف بالأمور الاختيارية التي تتعلق بقدرته ومشيئءتهن فلا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يحب العبد ويرضي عنه بعد إيمانه وطاعته، ولا يغضب عليه ويسخط بعد كفره ومعصيته"أ. هـ.