الظلمة، فلا ينبغي أن يعيب الرجل وينهي عن نور فيه ظلمة إلا إذا حصل نور لا ظلمة فيه. وإلا فكم ممن عدل عن ذلك يخرج عن النور بالكلية، إذا خرج غيره عن ذلك لما في طرق الناس من الظلمة.
وإنما قررت هذه القاعدة ليحمل ذم السلف والعلماء للشيء على موضعه، ويعرف أن العدول عن كمال خلافة النبوة المأمورة به شرعًا: تارة يكون لتقصير بترك الحسنات علمًا وعملًا، وتارة بعدوان بفعل السيئات علمًا وعملًا، وكلا من الأمرين قد يكون من غلبة، وقد يكون مع قدرة"أ. هـ."
فالأول: قد يكون لعجز وقصور، وقد يكون مع قدرة وإمكان.
والثاني: قد يكون مع حاجة وضرورة وقد يكون مع غنى وسعة، وكل من العاجز عن كمال الحسنات والمضطر إلى بعض السيئات معذور، فإن الله يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: من الآية 16] وقال: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: من الآية 286] وقال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [لأعراف:42] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وقال سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: من الآية 78] وقال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: من الآية 6] وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: من الآية 185] وقال: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: من الآية 173] وقال: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} [الأحزاب: من الآية 5] .
وهذا أصل عظيم وهو أن تعرف الحسنة في نفسها علمًا وعملًا، سواء كانت واجبة أو مستحبة. وتعرف السيئة في نفسها علمًا وقولًا وعملًا، محظورة كانت أو غير محظورة - إن سميت غير المحظورة سيئة - وأن الدين تحصيل الحسنات والمصالح، وتعطيل السيئات والمفاسد.
وأنه كثيرًا ما يجتمع في الفعل الواحد أو في الشخص الواحد الأمران، فالذم والنهي والعقاب قد يتوجه إلى ما تضمنه أحدهما، فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر، كما يتوجه المدح والأمر والثواب إلى ما تضمنه أحدهما فلا يغفل عما فيه من النوع الآخر. وقد يمدح الرجل بترك بعض السيئات البدعية والفجورية، لكن قد يسلب مع ذلك ما حمد به غيره على فعل بعض الحسنات السنية البرية، فهذا طريق الموازنة والمعادلة، ومن سلكه كان قائمًا بالقسط الذي أنزل الله له الكتاب والميزان"أ. هـ."