الثواب أو العقاب أو الاختصار أو التفصيل أو السكوت أو التأخير وغير ذلك من الوسائل. إن هذه الوسائل غير مقصودة لذاتها، بل هي مقصودة لغيرها فهي حتى للمقصد الواحد متنوعة من جهة ومتفاوتة من جهة ثانية، ثم إنها منضبطة بضوابط شرعية من جهة ثالثة، ومحكومة بالمقصد من جهة رابعة. وبالتالي فلا يباشر بتلك الوسائل إلا مقترنة باستحضار المقاصد والضوابط، فهي لا تستقل بنفسها البتة. فإن تمت مباشرتها مستقلة لم تكن مما أمر الله ولم تكن من الأعمال الصالحة، فإن أصبحت هي المقصودة لذاتها كانت ظلمًا، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه. فإن اقترن بها ما يشينها من تعصب أو مقصد دنيوي لم تنصب له، كانت فسادًا. ذلك لأن المقصد الأسمي هو الإصلاح وهداية الناس إلى ما يحبه الله تعالى وبرضاه، كما قال تعالى على لسان شعيب عليه السلام: {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله} [هود/ 88] ، وقال على لسان إبراهيم عليه السلام: {فاتبعني أهدك صراطًا سويا} [مريم/43] ، وقال على لسان مؤمن آل فرعون: {يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد} [غافر/38] ، بل أن الله تعالى قد وصف كتابه الكريم بالهدى: {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} [البقرة/2] ،: {وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [النحل/64] ،: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق} [الفتح/28] ، وغير ذلك من الآيات الكريمات.
والدعوة إلى الله تعالى وبيان دينه من أعظم الوسائل لأعظم المقاصد، وبالتالي فالحفاظ عليها وعلى مقصدها الذي هو هداية الخلق من أعظم الطاعات لله تعالى.
وبيان الحق لأهل البدع لا يخرج عن ذلك، فإن مقصد الدعوة في أهل البدع والضلال أولى منها في أهل الحق بل وأعظم أجرًا عند الله تعالى، ولذلك قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - حين أعطاه الراية يوم خيبر (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فو الله لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن تكون لك حمر النعم) (البخاري في الجهاد 143 عن سهل بن سعد) .
قال شيخ الإسلام في (منهاج السنة 5/ 239) :"الرد على أهل البدع من الرافضة وغيرهم إن لم يَقْصُد فيه بيان الحق وهدي الخلق ورحمتهم والإحسان إليهم، لم يكن عمله صالحًا. وغذا غلّظ في ذم"