الله - سبحانه وتعالى - (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) - [البينة/1] (مَن؟!) - (رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً) - [البينة/2] ، فالرسول والرسالة، النبي، والقرآن يحصل به البينة والنذارة.
• وهذا دليلٌ على عموم رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - لجميع الخلق، للعالمين، يهوديهم، ونصرانيهم، ووثنيهم، إنسهم وجنهم (ليكون للعالمين نذيرا) ، وهو معنى قول الله - سبحانه وتعالى - آمرًا نبيه - (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) - [الأعراف/158] فهذا أمرٌ أيها الإخوان من المعلوم من الدين بالضرورة، وقد بتنا في زمنٍ نسمع فيه -شنشنة- تجد بعض المتحذلقين الذين يهرفون بما لا يعرفون، يقولون جميع الطرق تؤدي إلى الله - سبحانه وتعالى -، من شاء أن يتدين باليهودية أو النصرانية، فهو وشأنه، لا يلزم أن يدين الناس كلهم بدين الإسلام، ونحو هذا، سبحانه الله! يجب على الناس جميعًا أن يدخلوا في دين الله، وأن يعتنقوا الإسلام، وأن يصدقوا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا يجوز تسويغ هذه الأديان وتصويب إتباعها بحالٍ من الأحوال.
• (وخلق كل شيء) : إذًا خلقه محيط بكل شيء، الأشياء ذواتها وصفاتها وحركاتها، لا شيء يخرج عن خلق الله - سبحانه وتعالى - وفي هذا ردٌ على القدرية، الذين يقولون العبد يخلق فعل نفسه، ويزعمون أن الطاعات والمعاصي من خلق العباد، وسيأتينا إن شاء الله الرد عليهم.
• (فقدره تقديرا) : وهذا إثباتٌ للقَدَر السابق، فكل شيء بقدر قال تعالى - (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) - [القمر/49] .
• وَقَوْلُه: - (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) - [المؤمنون 91/ 92] .
• (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ) تكرر المعنى الدال على وحدانية الله وتنزيهه عن الولد، وبصيغة أكثر استغراقًا
(مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ) للدلالة على الاستغراق.
• (وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) لم يكن مع الله إله حقيقي، أما الآلهة المزعومة فكُثر، كما قال الله - عز وجل -
(أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ) [الأنبياء/21] فالآلهة المُدَّعاه كثيرة، إن هي إلا أسماء
(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ
سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) - [النجم] فوجود هذه الأسماء لا يعني أحقيتها، ولهذا
كان التقدير المضمر في كلمة التوحيد -لا إله إلا الله- أي لا إله حقٌ إلا الله، لا نقول لا إله موجود إلا الله نقول لا إله حقٌ إلا الله، فهو المستحق للعبادة؛ لأنه الإله حق، ولا يمكن أن يكون الإله إلا واحد؛ لأنه الذي تألهه القلوب محبة وتعظيما وهذا ينقسم.
• (وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ) ذكر الله تعالى دليلًا عقليًا على ذلك فقال: (إذًا) يعني لو كان الأمر كذلك فرضًا وتقديرًا (إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) تأملوا في هذه الحُجة