الصفحة 113 من 280

• أولًا: أنه لا مزية للعرش على سائر المخلوقات؛ لأننا إذا فسرنا الاستواء بالاستيلاء على قولهم، فأي مزية للعرش على سائر المخلوقات، فإذا كنتم تقولون: استوى على العرش يعني: استولى على العرش فالله - سبحانه وتعالى - مستولي على جميع خلقه، فأي مزية للعرش عن الأرض السابعة.

• ثانيًا أن يقال: إن قولكم استوى استولى، يلزم منه عند قراءة الآية معنى فاسد؛ لأن ثم تقتضي الترتيب فإذا قلتم: ثم استوى على العرش يعني بمعنى: ثم استولى على العرش، لزم منه أنه لم يكن قبل ذلك مستولي عليه، وأنه خارج ملكه وسيطرته، وهذا معنى فاسد، لا يمكنهم أن يلتزموا به، فدل ذلك أيضًا على فساد ما ذهبوا إليه، ومن القواعد المقررة أن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم.

• ثالثًا نقول: أن هذا التحريف الباطل مخالف للشرع، ومخالف للغة التي نزل بها القرآن، وقد سُئل ابن الأعرابي وهو من أئمة اللغة، هل جاءت استوى بمعنى استولى؟ فنفي ذلك، وروي مثل ذلك عن الخليل بن أحمد، وغير واحد من أهل اللغة الحاذقين، يمنعون أن يكون استوى بمعنى استولى.

-إذًا لا حجة للمحرفين في هذا، وإنما حملهم على ذلك المقدمات الفاسدة، فلذلك نقول: ما الذي يُريدكم من تفسير الاستواء بالعلو، (الرحمن على العرش استوى) أي بمعنى أنه سبحانه علا على عرشه الذي هو أعظم المخلوقات وأعلاها، فهو - سبحانه وتعالى - على عرشه مستوى على عرشه، بائن من خلقه، ليس فيه شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء منه، فلا مسوغ لهذا الأمر الذي ادعيتموه.

-وبهذه المناسبة أيها الإخوان يجب أن نقرر في قراءة النصوص، أن الأصل حمل الكلام على حقيقته وظاهره، واعلموا أن العلماء قد اختلفوا في مسألة القول بالمجاز؛ لأن الأصوليين يقسمون الكلام إلى حقيقة ومجاز، ومن العلماء من ينفي ذلك مطلقًا، وينفي وجود المجاز في اللغة أصلًا ويقول: لا مجاز في اللغة، ومنهم من ينفيه في القرآن وحده، ويقول: يوجد مجاز في اللغة، لكن القرآن لا مجاز فيه. ومنهم من يُقر بوجود المجاز، لكن بشروط.

فالقائلون بوجود المجاز لابد أن ينضبطوا بشروط معينة وإلا لا يمكن القول بالمجاز مطلقًا، وإلا لضاعت العقود والحقوق، وصار كل قائل يقول: قُلتُ ذلك مجازًا، فإذا تبايع رجلان وقال: بعتُك هذا بألف، ثم بعد ذلك ادعى أنه أراد - حتى لو قال بألف ريال - بالريال شيء غير المعهود مجازًا، ضاعت الحقوق، وكذلك في عقود النكاح، وفي عقود جميع المُعوضات وغيرها، فالأصل حمل الكلام على حقيقته.

• والمانعون للمجاز مطلقًا قالوا: الحقيقة هي ما يتبادر إلي ذهن السامع؛ لأن هذه الألفاظ أوعية، فما فَهِم منه المخاطب مباشرة، فهي التي تدل على الحقيقة، ولذلك فإن ما ادعاه القائلون بالمجاز في القرآن يمكن أن يُقال: ليس مجازًا بل حقيقة، ومن أشهر الأمثلة التي يُمثل بها القائلون بالمجاز على وقوع المجاز في القرآن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت