فمثلًا: حينما أقول: رأيتُ أسدًا، ثم أشرتُ إلى رجل جبان، فهل هناك علاقة بين الأسد والجبان؟ لا علاقة. إذًا يجب أن يكون اللفظ مناسب للمعنى المجازي المدعى، ما الذي يجب أن أقول حينما أشير إلى هذا الجبان؟ أقول: رأيت غزالًا أو رأيت أرنب، أو ما أشبه ذلك من الألفاظ التي تليق بأهل الجبن، إذًا لا بد من وجود العلاقة.
• ثالثًا: لا بد من وجود الدليل المقتضي تعيين أحد المعاني المجازية؛ لأن المعاني المجازية متعددة فحينما أقول: محمد بحر. طبعًا أكيد أنه ليس محمد بحر بمعنى أنه له أمواج، وأنه مادته مائية، وإنما هذا مجاز، لكن ربما قال قائل: بحر في الكرم، بحر في العلم، بحر في سعة الصدر، بحر في المال؟
• إذًا لابد من وجود ما يعين أحد المعاني المجازية، فنقول لهؤلاء القائلين بالمجاز: حيهلا، إذا التزمتم بهذه الشروط الثقال وطبقتموها على الكلام، فإنا نقبل منكم دعوى المجاز، فإن انخرمت هذه الشروط أو أحدها فلا، لأن الأصل باتفاق أن الكلام على حقيقته، وليس لأحد أن ينقله عن حقيقته إلا بدليل، فلو طبقنا هذا على مسألتنا فقال قائل: الاستواء يعني الاستيلاء قلنا لهم:
ما هو الأصل في الاستواء؟ ألأيس الأصل في الاستواء العلو بدليل أن الله - سبحانه وتعالى - قال في سورة الزخرف - (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ) - [الزخرف/13] ولو سألناكم ما معنى (لتستووا على ظهوره) ؟ لقلتم: لتعلو. فما الذي جعلها بمعنى العلو في آية الزخرف؟ وجعلها في سبعة مواضع بمعنى الاستيلاء؟ قالوا: هناك دليل؟ نقول: هاتوا الدليل الذي أوجب لكم نقل الكلام من حقيقته إلى مجازه قالوا: دليل عقلي، ليس عندنا إلا دليل عقلي، قالوا: لأن إثبات الاستواء لله - عز وجل - يستلزم مشابهة المخلوقين، قلنا: هذا الدليل الذي استدللتم به دليل باطل؛ لأنه لا يلزم من إثبات الاستواء المماثلة فلله - سبحانه وتعالى - استواء يليق به وللمخلوق استواء يليق به، كما أن لله - عز وجل - سمع يليق به، وبصر يليق به وعلم يليق به، وللمخلوق مِثل ذلك يليق به.
-إذًا هذا الدليل الذي اعتقدتموه دليلًا، ليس دليلًا صحيح، وبالتالي بطل أعظمُ شرط في جواز نقل الكلام عن ظاهره إلى مجازه وهو القرينة، فلا قرينة صحيحة عندكم، وبالتالي لا مُحوج أن ندخل في نزاع هل الكلام ينقسم إلي حقيقة وإلى مجاز؟ لتنزل مع المخالف، ونقول: ثم مجاز. لكن جرى المجاز على شروطه الثابتة وحينئذ ستكتشفون أن دعاواكم في صرف كلام الرب - عز وجل - عن ظاهره إلى خلاف ظاهره لا تنطبق عليه الشروط المتفق عليه.
• إذًا نثبت لله - سبحانه وتعالى - صفة الاستواء كما أثبتها لنفسه، وكما أثبتها نبيه - صلى الله عليه وسلم - وكما أجمع عليها سلف هذه الأمة قاطبة، واللوازم التي يذكرها هؤلاء لوازم باطلة.
-وخذوا هذه قاعدة يا أخوان: اللوازم التي يذكرها المخالفون على نوعين: