كثير من الأفاضل وهم يطلبونه، و والله لو ملأت لهم هذه القلعة ذهبًا وفضة ما كافأتهم على ما ساقوا لي من الخير. هكذا المؤمن إن أمره كله له خير.
• (وبشرى) تأملوا أيها الإخوان هذا اللفظ، القرآن ينفث البشرى في نفوس المؤمنين؛ فتستحيل كآبتهم إلى فرح، وضيقهم إلى سعة وفرج، وأين هذا يعني لو يبذل الناس الأموال الطائلة لكي يحصلوا على السعادة فلا يستطيعون، يسكنون القصور، ويتنزهون في الأرض، لكن الضيق في القلوب، أما المؤمن فقد يكون أشعث، أغبر، ذي طمرين، مدفوع بالأبواب، ومع ذلك يجد في كلام الله - عز وجل - البشر n والسعادة، فهذا هو أعظم كنز مطروح به، (وهدى وبشرى للمسلمين) .
• وَقَوْلُهُ: - (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) - [النحل/103] .
• (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر) هذه دعوى المشركين، قالوا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يأوي إلى رومي
رجل رومي في مكة- فيستمع إليه من قصص أهل الكتاب؛ فيأتي يحدثكم به، هكذا زعموا، كل هذه من مطاعن المشركين في القرآن، ومحاولة صرف الناس عنه، فقال - سبحانه وتعالى - (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) - [الأنعام/26] ، وكما قال أحدهم: تعالوا إلي أحدثكم بحديث كسرى وإسفنديار كما يحدثكم محمد - صلى الله عليه وسلم -، يظنون أن القرآن من جنس الحكايات، والقصص، والسواليف، وغير ذلك يظنون أن هذا هو موطن الجاذبية فيه، لا، هذه الجاذبية وهذا القبول في القرآن لما تضمنه من العقائد الصحيحة التي يستريح لها القلب ويقبلها العقل، ما فيه من الشرائع العادلة، الأخلاق الكريمة، الآداب الرفيعة، هذا الذي لا يمكن أن يجتمع ويوجد في كتاب إلا في كتاب الله - عز وجل -، (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) .
• (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ) ذلك البشر المفترض وهو الرومي الذي يعمل في مكة أعجمي، أنَّى له أن يأتي بهذا الكلام الرفيع الذي تعجز فصحاء العرب أن يأتوا بسورة من مثله، أو بعض سورة، عشر آيات، (وهذا لسان عربي مبين) .
-إذًا الشاهد من هذه الآية إثبات تنزيل القرآن، فدلت هذه الآيات بمجموعها على ما قررنا من أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود تكلم الله به حقيقة فأوحاه إلى جبريل - عليه السلام - فنزل به على قلب محمد - صلى الله عليه وسلم -. وبعض الناس لا يدرك البعد الذي حمل الإمام أحمد رحمه الله والسلف الكرام على الإصرار على القول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، ويقول: يعني ما فرق هذا وبين أن يقال: القرآن مخلوق، يقول هذا بعض من ينتسب إلى العلم ويُنسب إليه، ويقول: إن هذا مجرد ورع من الإمام أحمد رحمه الله للمحافظة على الصيغة اللفظية، وهذا في الحقيقة جهل مركب، إذ أن الإمام أحمد رحمه الله وغيره من السلف حينما اعتصموا بنصوص الكتاب وأبوا مقالة هؤلاء المعتزلة يدركون أن المعتزلة إذا قرروا بأن