يوجد أمة على وجه الأرض تمتلك السند إلا أهل الإسلام، ولا يوجد أمة ترجمت لرجالها كما أهل الإسلام، هذه من مفاخر هذه الملة.
• قال الشيخ رحمه الله: (فَالسُّنَّةُ تُفَسِّرُ الْقُرآنَ وتُبَيِّنُهُ) .
• (الفسر) هو الكشف والإيضاح، كما يقول الرجل: فسرت عن ذراعي، إذا أبانه وكشفه، فالسنة تفسر القرآن، وتبينه، وذلك أنه قد جاء في القرآن بعض الأمور المجملة؛ فجاءت السنة بتفسيرها وبيانها فإذا قال الله - سبحانه وتعالى - (أقيموا الصلاة) هل نجد أن الظهر أربع ركعات، والعصر كذلك، والمغرب ثلاث، والعشاء أربع، والفجر اثنتين؟ لا نجد هذا، وإذا أمر الله فقال (آتوا الزكاة) هل نجد في القرآن أن في خمس من الإبل شاة، وفي العشر شاتان إلى آخره؟ لا نجد ذلك، إذا أمر الله - سبحانه وتعالى - بالطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، هل نجد أن فيه ذكر سبعة أشواط؟ لا نجد ذلك، فمن أين آتانا ذلك؟ من السنة، وبهذا الرد رد عمران بن حصين رحمه الله على منكر السنة، لما قال في مجلس: دعونا من الحديث، واتلوا علينا القرآن. فغضب عمران وقال له: أتجد في كتاب الله أن الظهر أربع، وكذا، وكذا، نحو ما ذكرنا. قال: فمن أين علمت ذلك، فأقام عليه الحجة، وألجمه بالدليل.
-إذًا السنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه، يعني أنها تدل على ما يدل عليه القرآن أحيانًا، فأحيانًا يكون مصادر الدلالة من الكتاب والسنة، كلاهما يتوافران في الدلالة على أمرٍ واحد، وتعبر عنه، كل هذه العبارات تبين أن السنة بمنزلة القرآن في درجة الدلالة، وأنها تبينه وتزيد عليه في بعض الأشياء التوضيحية والتفسيرية، وكله من عند الله - عز وجل -، إلا أن القرآن متعبد بتلاوته، والسنة لا يُتعبد بتلاوتها.
-قال رحمه الله: (وَمَا وَصَفَ الرَّسُولُ بِهِ رَبَّهُ - عز وجل - مِنَ الأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ الَّتِي- في نسخة التي نقلها والذي أعرف التي تَلَقَّاهَا، أثبت اللفظين معًا- تَلَقَّاهَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِالْقَبُولِ وَجَبَ الإيمَانُ بِهَا كَذَلِك) .
• أراد الشيخ رحمه الله بهذه المقدمة أن يبين أن السنة تدل على ما دل عليه القرآن، وأن هذا ينسحب على جميع أبواب الدين، فلا يقال: لا يُحتج بأحاديث الآحاد في مسائل الاعتقاد، فإن هذه المقولة مقولة مزعومة، لا تستند إلى أصل نبوي، ولا إلى كلام الصحابة ولا التابعين، وإنما أمر أحدثه المتكلمون فيما بعد، فقالوا: لا يُحتج بأحاديث الآحاد في مسائل الاعتقاد، زعمًا منهم بأنه لا بد من التواتر، في مسائل الاعتقاد، ما الدليل على هذا؟ لا يجد الإنسان مستندًا لقولهم، والحق أنه إذا ثبت الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدق إن كان خبر، وامتثل إن كان أمر، واجتنب إن كان نهى، في أي باب من أبواب الدين، وأننا نقبل في مسائل الاعتقاد ما كان صحيح أو حسنًا من أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، فنصدقه ونقبل خبره، ولا نرد شيء منه