الصفحة 155 من 280

(فلا يبصق قِبل وجهه) لأن هذا من سوء الأدب مع الله - عز وجل -، لأن الله قبل وجهه، وكيف يكون الله - سبحانه وتعالى - قبل وجهه، ونحن نقرر أن الله تعالى في العلو؟ يُقال: لا تعارض بين المقابلة والعلو، ألست تقف في الصباح عند شروق، أو في المساء عند غروب الشمس، فتقول: الشمس أمامي، مع أن الشمس أين؟ في السماء فلا تعارض بين المقابلة والعلو، فلا إشكال، فلهذا قال: (فلا يبصق قبل وجهه) .

(ولا عن يمينه؛ فإن الله قبل وجهه) إذًا علل النهي عن البُصاق قبل وجهه بكون الله - سبحانه وتعالى - قبل وجهه، ولم يعلل هاهنا النهي عن البصاق عن اليمين؟ لماذا؟ يعني ما هو العلة في النهي عن البصاق عن اليمين؟ تكرمة لليمين.

(ولكن عن يساره) فقد كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله، وكان يُباشر الأشياء المستحبة بيمينه، والأشياء المستكرهة بشماله، وعلى هذا يكون مخرج هذا التوجيه النبوي فكَرّم اليمين عن البُصاق، وجعل ذلك.

(ولكن عن يساره، أو تحت قدمه) وهذا في الحقيقة يدلنا على وجود سعة في شريعتنا، لأن الإنسان مثلًا قد يدركه - أكرمكم الله والمكان - تنخم في الصلاة، ولا يجوز ابتلاع النخامة، لأنها مضرة، فماذا يصنع؟ فسح النبي - صلى الله عليه وسلم - له، فأذِن له أن يجعلها عن يساره، أو تحت قدمه، وهو يصلي؟ نعم، وهو يصلي. هو الذي علمنا الصلاة - صلى الله عليه وسلم -، وهو الذي رخص لنا وأذن لنا بذلك. لكن تُراعى اختلاف الأحوال، مثلًا: يمكن أن ينطبق هذا إذا كان الإنسان في أرض ترابية، تندثر فيها البُصاق والنخامة، لكن يظهر أنه في مثل مساجدنا هذه المفروشة، لا يمكن.

• أيضًا لا يناسب إذا كان الإنسان عن يساره مصلي، فلا يمكن إن كان عن يسارك مصلٍ وأدركك ذلك أن تفعل هذا، ولكن توفر عن الناس الآن هذه المناديل، فيمكن أن يفعلها، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يرفع الحرج، وإذا ارتفع الحرج بما هو أيسر، فلما لا؟!

-الشاهد من هذا هو إثبات علو الله - سبحانه وتعالى -، وأنه قبل وجه المصلي، وأن المقابلة لا تعارض العلو.

• وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم: (اللهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ؛ اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ) . رِوَايَةُ مُسْلِمٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت