الصفحة 156 من 280

(اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم) هذه مناجاة رواها الإمام مسلم، من مناجاة النبي - صلى الله عليه وسلم - لربه - عز وجل - وهي مناجاة عظيمة. تأملوا يا إخواني في هذه الجمل كيف تجلب لقلب المؤمن التعظيم لربه، يتصاغر الإنسان حين يذكر أنه هباءة صغيرة في هذا الكون، وأن الله ربه الذي يناجيه هو رب السموات السبع بأجرامها العلوية، وآفاقها الواسعة التي تقاس إلا بالسنين الضوئية، والأرض.

(ورب العرش العظيم) الذي لا يحيط به وصف الواصفين.

(ربنا ورب كل شيء) لاحظ أن دائمًا أو غالبًا الدعاء يكون بوصف الربوبية، أن يقول الإنسان: يا رب؛ لأن الربوبية تعني: أن الله هو الذي يربي عباده بنعمه، فهو الخالق، المالك، المدبر، فدائمًا الدعاء يكون بقول، يا رب، يا رب؛ لأن هذا أدل على الافتقار، بينما إذا أراد الإنسان أن يتقدم بالأعمال الصالحة يناسب الوصف الإلوهية، فإذا كان شيء يتعلق بحاجته، وإمداده، وإعداده، وصحته وغير ذلك، فهذا يناسب أن يدعوا بوصف الربوبية، وإذا أراد أن يتقرب إلى الله - سبحانه وتعالى - بأنواع العبادة يقول: الله، الله أكبر، اللهم

لبيك اللهم، فالعبادات يذكر فيها لفظ التأليه، لأنها تَعَبد لله - عز وجل -.

(فالق الحب والنوى) الله أكبر، يعني من هذا الكون الفسيح، السموات السبع، ورب العرش العظيم، نُقلة إلى الأمور الدقيقة، أنظر الربوبية كيف تصل إلى كل شيء، الذي خلق السموات السبع الطباق، والعرش العظيم، هو فالق الحب والنوى، هذه الحبة والنواة هو الله - سبحانه وتعالى - فلقها، لا أحد ينتبه لهذا الفلق، أن توجد حبة تحت حجر في ناحية من نواحي الكرة الأرضية ثم يخرج منها غصن أخضر صغير؛ الله - سبحانه وتعالى - فلقه. (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى)

(منزل التوراة والإنجيل والقرآن) بعد أن ذكر الأمور الكونية ذكر الأمور الشرعية، (منزل التوراة والإنجيل، والقرآن) مقدمة حافلة مناجاة تجعل الإنسان في مقام العبودية لله رب العالمين، بعد ذلك يأتي الطلب، فقال - صلى الله عليه وسلم:

(أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها) استعاذ من شر نفسه، من الشرور الداخلية، لأن النفس أمارة بالسوء، قال - سبحانه وتعالى - (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) [الشمس] ولما لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - الحُصين بن معبد الخزاعي والد عمران ابن الحصين، دعاه قال له: يا حُصين كم تعبد. قال: سبعة، ستة في الأرض، وواحد في السماء، هكذا كان أهل الجاهلية، يعبد سبعة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال - صلى الله عليه وسلم: فمن الذي تعده لرغبك ورهبك. قال: الذي في السماء - أي الله - سبحانه وتعالى - قال - صلى الله عليه وسلم: فاعبده ودع ما سواه، فإنك إن أسلمت علمتك كلمتين، فمضى الحُصين، ثم مَنّ الله - سبحانه وتعالى - وأتى يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - الموعدة، ما وعده به، فقال الصادق البر الأمين - صلى الله عليه وسلم: نعم، قل:"اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي". كلمتان تكتبان بماء الذهب، يا أيها الإنسان: لك رشد، لكن قد تُؤته وقد لا تؤته، في نفسك رشد لكن هذا الرشد ربما ظل مغمور،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت