مطمور في قلبك لا يخرج، تمامًا كما لو يوجد مثلًا دولة من الدول في باطن أرضها نفط ومعادن، وغير ذلك، قد توفق وتستخرج هذه الخيرات؛ وتصبح دولة راقية، وقد تظل هذه الخيرات مطمورة فيها؛ فلا تنتفع بها، أليس كذلك؟ كذلك أرض قلبك، فيها مخزون من الرشد، إن أنت استنبطه واستخرجته؛ انتفعت به، وإن دسيته بقي مطمورًا، (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [الشمس] (دساها يعني: غطاها) قد توتى رشدك وقد لا تؤته تأمل قول الله - عز وجل - (وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ)
إذًا إبراهيم - عليه السلام - أوتي رشده، فحري بالإنسان أن يسأل الله - عز وجل - هذه المسألة، قال - صلى الله عليه وسلم - قل: اللهم ألهمني رشدي، وماذا أيضًا؟
• (وأعذني من شر نفسي) النفس فيها شرور، أعاذنا الله وإياكم، حينما تستشر النفس؛ يخرج منها شرور منوعة، فيقع أذى، وعدوان، وسوء ظن، وشرك، وبدعة، ... إلى آخره، فسل الله - عز وجل - أن يَعقل ذلك، وأن يُعيذك من شر نفسك، فإن نفسك إذا غلبتك لا تملك ردها، فاستعن بمعبودك في الوصول إلى مقصودك، فلهذا قال: أعوذ بك من شر نفسي، بدء بالنفس.
• (ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها) هل هذا القيد قيدٌ معتبر، ولا طردي؟ يعني بمعنى: هل فيه دابة ليس الله آخذ بناصيتها؟ لا، وصف طردي، ما من دابة إلا والله آخذ بناصيتها، كما قال هود - عليه السلام - لما قالوا: (اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ، إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) [هود] ، سبحانه وبحمده، كل شيء بيده، فلهذا قال: أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها.
• (أنت الأول فليس قبلك شيء) الله أكبر، هو الأول - سبحانه وتعالى -، هذا خيرٌ من قول بعضهم: الأول بلا ابتداء والآخر بلا انتهاء - نُعبر بما عبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعد شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضي عني الدين وأغنني من الفقر) الله أكبر، ما أسرع الإجابة حينما يدعو العبد ربه مستحضر لهذه المعاني الجليلة، قضى الله دينه، وأغناه من الفقر، وأصلح حاله، لكن أين الداعون؟
-هذا الحديث قد تضمن من صفات الله - عز وجل - الشيء الكثير، إثبات علو الله - سبحانه وتعالى - في قوله - صلى الله عليه وسلم: (وأنت الظاهر فليس فوقك شيء) ، وقربه من عباده في قوله - صلى الله عليه وسلم - (وأنت الباطن فليس دونك شيء) ، وربوبيته - سبحانه وتعالى - من وجوه كثيرة.