وتوسطوا، واعتصموا بالنصوص؛ فأثبتوا هذه النصوص وقالوا: نُمرها كما جاءت على ظاهرها، لا نردها، ولكنهم أثبتوا لله تعالى العفو، والصفح، والمغفرة لعصاة الموحدين وأثبتوا الشفاعة للشافعين بشروطها.
• أما الباب الرابع من أبواب المقارنة أو الوسطية بين أهل السنة والجماعة ومخالفيهم فله صلة بالباب الذي قبله، وهو باب أسماء الإيمان والدين
ويسمى أحيانًا الأحكام، يعني: بما نحكم على مرتكب الكبيرة ماذا نسميه في الدنيا. الباب الماضي - الباب السابق باب وعيد الله، يعني: الحال الأخروي، لكن هذا الباب باب أسماء الإيمان والدين هو الحكم الدنيوي، ماذا نسمي مرتكب الكبيرة؟
• انقسم الناس إلى طرفين ووسط، الحرورية والمعتزلة طرف، والمرجئة والجهمية طرف.
• الحرورية والمعتزلة قالوا في مرتكب الكبيرة: خرج من الإيمان، يعني زال عنه وصف الإيمان، من زنى، من سرق، من شرب الخمر، من كذب، من اغتاب، إلى آخره كل من أتى كبيرة عندهمح فقد زال عنه وصف الإيمان، إلا أن الخوارج طردوا مقالتهم، وقالوا: خرج من الإيمان ودخل في الكفرلأنه ليس ثم إلا إيمان أو كفر - وصدقوا، قال - سبحانه وتعالى - (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) ، والمقصود بصدقوا: يعني صدقوا أنه ليس ثم إلا لإيمان أو كفر، لكنهم كذبوا في نزع وصف الإيمان عنه.
• أما المعتزلة فتحذلقوا، وأتوا بما لم يسبقوا إليه، وقالوا: خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، إذًا أين ذهب؟! اخترعوا له وصف لم يسبقوا إليه؛ فقالوا: في منزلة بين منزلتين، لا مؤمن ولا كافر. فجعلوه في هذه الدنيا في وصف لا تتعلق به أحكام، طيب كيف نعامله؟! إذا مات ماذا يكون؟! هل نورثه
وهل يرث، وهل تبقى له ولايته على بنيه، وزوجته وغير ذلك؟ أنشئوا هذا المرتبة التي لم يسبقوا إليها.
• يقابل هؤلاء الوعيدية من الخوارج والمعتزلة، المرجئة والجهمية، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، لأن الإيمان عندهم شيء واحد، وما دام قد أتى بالشهادتين، والعمل لا علاقة له بالإيمان فإيمان أفجر الناس، كإيمان أتقى الناس، إيمان أفجر الناس كإيمان أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كإيمان جبرائيل وميكائيل عليهما السلام، هكذا زعموا، فأعطوه الاسم المطلق، وأولئك نزعوا منه مطلق الاسم.
• وأما أهل السنة والجماعة فقد توسطوا بين هذين الطرفين، وقالوا: إن مرتكب الكبيرة لا يستحق الاسم المطلق، ولا ينفى عنه مطلق الاسم، كيف؟ لا يستحق الاسم المطلق يعني: لا يستحق وصف الإيمان الكامل، ولا يُسلب مطلق الاسم، لا ينزع منه وصف الإيمان بالكلية، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، فسموه فاسق، لكنهم لم ينزعوا عنه وصف الإيمان، يسمونه الفاسق الملي.