الصفحة 169 من 280

مختلط بكم، فبادر بالقول: وليس معنى قوله: (وهو معكم) أنه مختلط بالخلق، واستدل بثلاث أدلة:

أن هذا لا توجبه اللغة، أن هذا خلاف الإجماع، أن هذا خلاف الفطرة، بل ورابع وهو الاستدلال بالحس.

-لننظر في ذلك، قال: فإن هذا لا توجبه اللغة: لاحظوا دقة تعبيره رحمه الله، لم يقل: فإن هذا مضاد للغة، لأن اللغة أحيانًا تدل على أن المعية بمعنى الاختلاط، لكن لا توجبه في كل نص، وذلك أن المعية كما قد تقدم معنا تدل على مطلق المقارنة، والمصاحبة، ما الذي يقيد هذا الإطلاق؟ إذا قلنا: المعية تدل على مطلق المقارنة، والمصاحبة، ما الذي يقيد هذا الإطلاق؟ القرائن، والسياق فالقرائن والسياق تارة تجعل المعية بمعني: الاختلاط، كقولك: جعلت الماء مع اللبن، يعني: خلطه وكقولك: جعلت العسل مع السمن، يعني: مزجته به.

• إذًا أحيانًا السياق يدل على أن المعية تعني الاختلاط، وأحيانا يدل على أن المعية تعني النصر، والتأييد كقولك القائل لبعض جنده: تقدموا ونحن معكم -يرسل طليعة، ويقول: تقدموا ونحن معكم- أو أن ترى مثلًا: إنسان يغرق، فتقول: لا تخاف أنا معك. وأنت على الشاطئ وهو في البحر. إذًا لم يلزم منها اختلاط • وتارة تدل على التهديد، والوعيد، كأن يقول الأمير، أو السلطان، أو صاحب الجند مثلًا للجاني: اذهب وأنا معك. ليس مراده أن رجله برجله، يتبعه، لا، قصده وأنا معك: التهديد، والوعيد. فلم يلزم من ذلك امتزاج واختلاط، بل إن الرجل يقول أحيانًا: زوجتي معي. وهو في أمريكا وزوجته في السعودية، ما مراده بقوله: زوجتي معي؟ يعني في عصمتي، يجمعهما عقد النكاح.

• إذًا دل ذلك على أن لفظ المعية لا يوجب -يعني لا يعين- معني الاختلاط دومًا، بل لا يلزم منه ذلك تارة يكون بمعني الاختلاط، وتارة يكون بغير ذلك، ما الذي يحدد هذا؟ السياق، والقرائن، والدلائل التي تحتف بالنص.

• إذًا هذا هو معني قوله رحمه الله (فإن هذا لا توجبه اللغة) .

(وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة) سلف الأمة أجمعوا على أن معيته سبحانه لا يلزم منها مخالطة المخلوقين، ولهذا كانوا يفسرون قوله تعالى في سورة الحديد: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) يقولون: أي بعلمه ردًا على حلولية الجهمية الذين كانوا في زمنهم، أي في زمن الأمام أحمد رحمه الله وغيره، كان الجهمية يزعمون أن الله حال مع الخلق، مختلط به، فكانوا يفسرون المعية بمعية العلم، لا أن المراد أنه بذاته - سبحانه وتعالى - معهم، حاش وكلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت