• إذًا هذا خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة.
• الوجه الثالث: (خلاف ما فطر الله - سبحانه وتعالى - عليه الخلق) نعم، الفطرة السليمة تأبى أن تعتقد أن الإله الكامل من جميع الوجوه ممتزج حال بين الناس، ولهذا ينبو على السمع إذا سمع الإنسان بعض هؤلاء الناس يقول: ربنا في كل مكان. هذا غير صحيح، ربنا فوق سمواته، مستوي على عرشه، ليس في كل مكان بل الله - سبحانه وتعالى - ينزه عن أن يكون بين المخلوقين، حالًا في أمكانهم، ومجالسهم، وبيوتهم، وما ينزه - سبحانه وتعالى - عنه، الله تعالى فوق خلقه، ليس معهم بذاته، بل معهم بعلمه، وسلطانه، وسمعه، وبصره، وسائر صفات ربوبيته.
• أما الدليل الرابع فهو دليل من الحس، ضربه الشيخ رحمه الله مثالًا: فقال: (بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته) صحيح، القمر يعتبر خلق صغير بالنظر إلى بقية الأجرام السماوية.
• قال: (وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر، وغير المسافر أينما كان) أليس المسافر إذا سافر في نصف الشهر يقول: مازلت أسير والقمر معي، هل تأبطه، هل هو في جيبه، هل هو في رَحْله؟ لا
القمر في السماء، ولكنه معه -بمعني أنه مصاحب له- القمر في السماء وهو يمشي على وجه الأرض يقول: مازلت أسير والقمر معي.
• إذًا هذا دليل من الحس على أنه يمكن أن يجتمع علو، ومعية، دون أن يقع امتزاج، واختلاط، فالقمر في السماء، والراكب، أو غير المسافر في الأرض.
• قال الشيخ رحمه الله: (وهو سبحانه فوق العرش، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته) إذًا هذا هو المقصود بالمعية، أنها بمعني: الرقابة، والهيمنة، والاطلاع وغير ذلك من معاني ربوبيته، كسمعه، وبصره، وعلمه، إلى غير ذلك، وهذا الواقع يا إخوان، هذا الفهم الذي نقرره بحمد الله، والذي دل عليه القرآن فهم سليم، تطمئن إليه النفوس، والفِطر، وهو: أن يعتقد العبد أن ربه - سبحانه وتعالى - فوق سماواته، علي عن خلقه، غير ممازج لهم، ويعلم ما هم عاملون في أرضه، لا يخفي عليه منهم خافية، وقد كان هذا ربما فيما مضي مستبعد، لا يتصور بعض الناس ذلك قياسًا بالمخلوقات، الآن يوجد من الأمثلة الشيء الكثير، أليس مثلًا: قائد الطائرة يكون في الطائرة ومع ذلك يخاطب برج المراقبة في المطار، ويأخذ منهم، ويسمع منهم، وتبلغه الأخبار، أليست الأقمار الصناعية تذهب في أجواء الفضاء، ومع ذلك يحصل من رواد الفضاء مخاطبة، ويبلغهم علم من يخاطبونهم في الأرض، مع بعد الشُقة، فإذا كان هذا يقع بين مخلوق ومخلوق فكيف يمتنع أن يكون بين الخالق سبحانه والمخلوق؟! فيجتمع في حق الله تعالى علو مطلق، ومعية تامة، هذا أمر مقبول يدل عليه الشرع، ويدل عليه العقل، ولا ينافيه شيء من ذلك.