فهي سلسلة بعضها يأخذ برقاب بعض، ولهذا وقف لهم أهل السنة بالمرصاد، لأنهم يدركون مغزى كلامهم، وأنهم يريدون بذلك تجريد الرب - عز وجل - من صفات الكمال، ونعوت الجلال، إذًا هو منزل غير مخلوق، لأنه صفته، ولا يمكن أن تكون صفته مخلوقة.
• (منه بداء) تحتمل أن يكون تكلم به ابتداءً وهذا حق، وتحتمل بغير همز (منه بدا) يعني: ظهر، لأن الله تلكم به سبحانه.
• (وإليه يعود) وقد ذكرنا لها توجيهين: أحدهما: (إليه يعود) يعني إليه ينسب.
الثاني: (إليه يعود) يعني يرجع حينما يُسرى بالمصاحف في آخر الزمان من الصدور، والسطور.
• (وأن الله تكلم به حقيقة) أي ليس كما تدعيه المعتزلة أنه مجاز، بل هو حقيقة، تكلم الله به حقيقة ومقتضي كونه حقيقة؛ أن يكون تكلم به بالحرف والصوت بكلام حقيقي، تسمعه الأذان، آذان من شاء من خلقه.
• قال: وَأَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ هُوَ كَلامُ اللهِ حَقِيقَةً، لاَ كَلامَ غَيْرِهِ.
يعني هذا الذي أنزله الله على محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال الله - عز وجل - (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) هو كلام الله حقيقة، دون تجوز، فلا يقال: كلام جبريل - عليه السلام -، بل هو كلام محمد - صلى الله عليه وسلم -.
فإن قال قائل: ألم يقل الله - سبحانه وتعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) ، قال في موضع (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) وقال في موضع (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ) .
فيقال: هاتان الآيتان دليل عليكم لا لكم، لكونه أضاف هذا القول إلى رسولين، مرة أضافه إلى الرسول الملكي، ومرة أضافه إلى الرسول البشري، فقوله - عز وجل - (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) ، (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ) مراده النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) أراد الرسول الملكي جبريل - عليه السلام -.
• فتبين بذلك أن المراد بإضافة القول إليهما إضافة التبليغ، لا إضافة الكلام ابتداءً، ولو كان الكلام ابتداءً لما جاز أن يصدر من رسولين، لما جاز أن يكون قول للرسول الملكي، وقول للرسول البشري، فدل على أن المراد فيهما وصف الرسالة، يعني: النقل، والتبليغ.
• فهو دليل يرجع عليهم، ولهذا أيها الإخوان الأمر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: كل دليل استدل به المبتدعة على باطلهم من الكتاب والسنة، فإنه يعود دليل عليهم لا لهم، وهذا أمرٌ يعرف بالتتبع والاستقراء،