فتُقلب الأدلة التي أراد المطلون الاستدلال بها على باطلهم يجد المرء فيها ما يدل على نقض مقالتهم، وهذا يعرف كما قلت بالتتبع، ومنها هذا المثال الذي ذكرناه.
• قال: وَلا يَجُوزُ إِطْلاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلاَمِ اللهِ، أَوْ عِبَارَةٌ.
في هذه الجملة رد على الأشاعرة والكُلابية، فإن الكُلابية، والأشاعرة زعموا أنهم أثبتوا صفة الكلام، لكنهم أثبتوا صفة الكلام باعتباره الكلام النفسي، يعني: الكلام القائم في نفسه، أما المسموع في الخارج فالكلابية قالت: هو حكاية عن كلام الله، والأشاعرة قالت: هو عبارة عن كلام الله، وهو تعبير متقارب في الواقع لكنهم يتفقون على أن الذي سمعه الأبوان في الجنة ليس كلام الله، وأن الذي سمعه موسي - عليه السلام - عند الشجرة ليس كلام الله، وأن الذي سمعه محمد - صلى الله عليه وسلم - ليلة المعراج ليس كلام الله، وأن الذي يسمعه عيسى - عليه السلام - يوم القيامة حين يقول الله - عز وجل - (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ) ليس كلام الله، ما هذا المسموع؟ قالوا: هذا المسموع حكاية عن كلام الله، أو عبارة عن كلام الله - سبحانه وتعالى -، حروف، وأصوات مخلوقة، خلقها الله - عز وجل - في جو الجنة، ولا عند الشجرة، ولا كذا كذا، فسمعها من أراد الله أن يسمعها، وإلا فهي ليست كلام الله - سبحانه وتعالى - بل هي تعبر عن كلام الله - عز وجل - أو تحكي كلام الله، وأين كلام الله إذًا؟! قالوا: معنى قائم في نفسه منذ الأزل.
• هذه في الحقيقة أُغلُوطة، ولم تدُر بخلد الصحابة، ولم تجر لهم على بال أن يفرقوا في الكلام بين الكلام النفسي، والصوت والحرف، بل العرب تعرف أن الكلام هو: مجموع المعني والحروف، لا الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف، وهذا الذي قاله الأشاعرة، والكلابية تكلف مذموم ولهذا فإن قولهم في النهاية يأول إلى قول المعتزلة، لا فرق بينهم وبين المعتزلة، لأنهم في الواقع أنكروا كلام الله الذي بمعني الحروف والأصوات، فهو قريب منهم كما قال بعض محقيقيهم: أنه عند تأمل مذهبنا لا يكون بيننا وبين المعتزلة فرق في هذا.
• إذًا قال الشيخ رحمه الله: وَلا يَجُوزُ إِطْلاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ كَلاَمِ اللهِ، أَوْ عِبَارَةٌ
تأملوا أيها الأخوان أن الشيخ رحمه الله كان يقول هذا الكلام في وقت كان الأشاعرة قد قبضوا على مقاليد الأمور، والرياسات الدينية في بلاد المسلمين، إذ أنه في إبان الدولة الأيوبية تمكن الأشاعرة من رياسات القضاء، والخطابة، والإمامة، وجميع المناصب الشرعية، ولم يمكنوا أحدًا أن يتكلم بغير ما يعتقدون، وكانوا يحملون على ذلك حمل بليغا، حتى ذكر (المقريزي -رحمه الله-) سببًا لانتشار المذهب الأشعري هو: قيام أمراء بني أيوب في المشرق، وقيام دولة الموحدين في المغرب، الذين كانوا يعتقدون عقيدة ابن تومرت، وكان على طريقة الأشاعرة، وأنهم سفكوا في ذلك الدماء، وأزهقوا الأرواح في سبيل حمل الناس على هذا المعتقد،