الصفحة 177 من 280

فنُقدر الشجاعة الأدبية لشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله حينما يخط هذا ويكتبه، وينشره بين الناس، ويتعرض من جراءه لعقد المحاكمات، ويدخل مع القضاة والمفتين في مناظرات طويلة، ويُقضى عليه حينًا بالسجن، وبالنفي، وغير ذلك مما كان لحقه رحمه الله.

• قال: بَلْ إِذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي الْمَصَاحِفِ؛ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلامَ اللهِ تَعَالَى حَقِيقَةً.

نعم، هذا أمر يجب أن يُتفطن له، لأنه قد أشكل على بعض المتسننة الذين لم يميزوا بين القراءة والمقروء والكتابة والمكتوب، والتلاوة والمتلو، واللفظ والملفوظ، فجعلوه كله كلام الله، حتى أن بعضهم قال: حتى الحبر، والكاغد -الورق- غير مخلوق، ظنًا منهم بأننا إذا قلنا أن القرآن كلام الله فهذا يقتضي أن المصحف الذي نحمله بين أيدينا بحبره، وورقه، ومادته، وجلده، وغير ذلك، إنه غير مخلوق، لا، ليس هذا هو مراد السلف، معلوم أن هذا مخلوق، ولهذا لو أصابته النار احترق، ولو وضع في الماء لذاب وانمحى، بل مرادهم: أن المضمون هو كلام الله - عز وجل -، فيفرقون بين التلاوة والمتلو، فالتلاوة فعل العبد والمتلو كلام الرب، والقراءة فعل العبد والمقروء كلام الرب، الكتابة فعل العبد والمكتوب كلام الرب - سبحانه وتعالى - التسجيل فعل العبد والمسجل كلام الرب - عز وجل -، وهكذا، فينبغي التمييز بين ذلك.

• قال: بَلْ إِذَا قَرَأَهُ النَّاسُ أَوْ كَتَبُوهُ فِي الْمَصَاحِفِ؛ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ كَلامَ اللهِ تَعَالَى حَقِيقَةً.

• إذًا (قرأه الناس) القراءة فعل الناس، (كتبوه) الكتابة فعل الناس، لكن هذا لا يخرج المقروء، والمكتوب من أن يوصف حقيقة بأنه كلام الله، علل الشيخ هذا فقال:

• فَإِنَّ الْكَلاَمَ إِنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتدِئًا، لاَ إلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا.

نعم، الكلام يا إخوة يضاف إلى من قاله مبتدئا، لا إلى من قاله مؤديًا ومبلغا، فلو أن مثلًا: إنسان صعد على المنبر وقال: يا أيها الناس، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، إلى آخره ... ، فقال قائل: ما هذه الخطبة؟ فإننا نقول هذه خطبة قس بن ساعدة الإيادي، ما نقول: خطبة فلان الذي حفظها وألقاها علينا، لأن الكلام يضاف إلى من قاله مبتدئًا، لا إلى من قاله مبلغا، ومؤديا، ولو قام فينا شخص وأنشد:

قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزلي ***بسقط اللوى بين الدّخول فحومل

وقال قائل: شعر من هذا؟ لقلنا: شعر امرؤ القيس، ولم نقول: شعر هذا الذي أنشدنا إياه، لأن الكلام إنما يضاف إلى من قاله مبتدءًا لا إلى من قاله مبلغًا، مؤديًا، لو أنه مثلًا: صدر بيان رسمي من جهة ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت