الصفحة 178 من 280

وجاء أحد وتلاه علينا، هل نقول أصدر الأخ فلان بيان رسمي بكذا وكذا؟ لا، نقول تلا علينا البيان الصادر من الجهة الفلانية، كذلك القرآن، كونه يكتب في المصاحف، أو يحفظ في الصدور، أو يتلفظ بالألسنة، أو يسجل في المسجلات، الفعل فعل العبد، لكن المقروء، والمتلو، والملفوظ، والمسجل والمكتوب، هو كلام رب العالمين حقيقة، فلابد من التمييز بين القضيتين، وقد نشأ من عدم التمييز بينهما وحصول نوع من اللغط اللفظي فيهما؛ أن ابتلى البخاري رحمه الله؛ حتى إنه وصم بالقول بخلق القرآن وصم بهذا الوصم، وشغب عليه بعض مخالفيه، وهو بريء من ذلك، بريء أشد البراءة، لكن بعض مخالفيه لم يفهم كلامه على وجهه، أو أخذه شيء من الهوى والحسد وغير ذلك، وقد بين ابن القيم -رحمه الله- هذه القضية، ونصر ما ذهب إليه الإمام البخاري في هذه المسألة، التي أجلب عليه وشغب عليه بعض مخالفيه، حتى إنه ضاق صدره رحمه الله لما علم أن الناس في نيسابور انقسموا عليه، فمنهم من يقول: لا يدخل نيسابور -تصور البخاري ينقسم عليه الناس- فبعضهم يقول لا يدخل نيسابور صاحب بدعة وبعضهم يعلم صدقه، وأنه على السنة، حتى أنه صلى من الليل في قرية يقال لها (خرتنك) قريبة من نبسابور، وسأل الله - عز وجل - أن يقبضه إليه، فمات رحمه الله في تلك القرية، فهذا أمر قد يبتلى به الناس، وهو ناتج عن اللبس أحيانًا، وعدم الفهم أحيانًا، وعن الهوى والحسد أحيانًا، المهم أنه ينبغي أن نميز كما ميز المحققون من أهل الإسلام بين مقام ومقام.

• قال:، فَإِنَّ الْكَلاَمَ إِنَّمَا يُضَافُ حَقِيقَةً إِلَى مَنْ قَالَهُ مُبْتَدِئًا، لاَ إلَى مَنْ قَالَهُ مُبَلِّغًا مُؤَدِّيًا.

ولهذا لم يكن القرآن كلام جبريل - عليه السلام -، ولا كلام محمد - صلى الله عليه وسلم -، مع أن الله - سبحانه وتعالى - قال: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) في موضعين، لأن مهمتهم في ذلك البلاغ والأداء فقط، لكنه كلام من أرسلهم، وهو الله - عز وجل -.

• قال الشيخ رحمه الله: وَهُوَ كَلامُ اللهِ؛ حُرُوفُهُ، ومَعَانِيهِ؛ لَيْسَ كَلامُ اللهِ الْحُرُوفَ دُونَ الْمَعَانِي، وَلاَ الْمَعَانِيَ دُونَ الْحُرُوفِ.

نعم، هو كلام الله حروفه، ومعانيه؛ لأن الكلام مجموع الحرف والمعنى، لا الحرف دون المعنى، ولا المعنى دون الحرف، ونفى أن يكون كلام الله الحروف دون المعاني، كما تقوله المعتزلة، ولا المعاني دون الحروف كما تقوله الأشاعرة.

• إذًا هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة في القرآن العظيم، أنه كلام الله حقيقة بحروفه ومعانيه، وأنه لا يشبه كلام أحد من المخلوقين، فإذا قرأ علينا القرآن أحد من الناس؛ قلنا: التلاوة تلاوة العبد، لكن المتلو كلام رب العالمين، لأن الله يقول (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) ولهذا اختلف العلماء في اللفظ والملفوظ هل قول لفظي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت