الصفحة 185 من 280

إساءته، ثم لا يكافأ المحسن على إحسانه، ولا المسيء على إساءته، هذا ممتنع بالعقل، لا يمكن للعقل أن يقبل هذا، بل إنه يأباه، ويفرض بأنه لا بد من وجود فصل آخر يرد فيه الحق إلى نصابه قال - سبحانه وتعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) [القيامة/36] هذا لا يمكن، فلذلك تأبى العقول وتنفر من أن يكون هذا هو متنها المطاف، فلابد إذًا من مقام آخر.

• أما الحس: فإن الله - سبحانه وتعالى - قد أرى عباده من الدلائل على إمكان البعث الشيء الكثير، حتى ذكر الله تعالى في سورة البقرة خمسة أنواع، أو خمس حوادث حسية، كلها تدل على إحياء الله للموتى بعد موتهم، في الدنيا قبل الآخرة، أين ذلك؟ صاحب القرية قال الله - عز وجل - في شأنه (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) قلب طرفه؛ فإذا قفر يباب، وإذا أطلال، ويُبس، ولا يجد إلا الحجارة، والريح تعصف؛ فقال مستبعدًا: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) فماذا؟ (فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ) مئة سنة يا إخوان، (ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ) الطعام، والشراب الذي هو حَري أن يُسرع فيه الفساد، لا يزال، أبقاه الله - سبحانه وتعالى - طري، لم يتعفن، مع أنه هو أحرى أن يتعفن، (وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ) الحمار الذي هو أهل لقوته وشدته أن يبقي، جعله الله - عز وجل - عظام، بيضاء تلوح، قال - سبحانه وتعالى: (وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا) ركب الله بعضها على بعض، وارتفعت، فإذا بها هيكل عظمي واقف (ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا) حتى آل إلى حمار ينهق، سبحان الله، (قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .

* المثال الثاني: إبراهيم - عليه السلام - حين قال سائلًا ربه (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) قطعهن، ينزع يد، ورجل، وجناحا، ورأسا ويوزع كل طير على جبل من الجبال الأربعة، قسم الطير، وجعلهن أشلاء، وأبضاع، قال - عز وجل - (ثُمَّ ادْعُهُنَّ) فقال - عليه السلام: هلمي، فأتت وتلاقت في السماء هذه الأجزاء طيرًا يرفرف.

* مثال ثالث: بنو إسرائيل الذي قال الله - سبحانه وتعالى - في شأنهم: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) .

* مثال رابع: قصة صاحب البقرة، قال الله - عز وجل: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا) قُتل قتيل من بنوا إسرائيل، لم يعلم قاتله؛ فارتفعوا إلى موسى - عليه السلام - فقال:

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) في قصة معلومة لا تخفاكم، فلما ذُبحت البقرة، وأخذوا بَضعة منها وضربوا بها الميت؛ انتبه وقام، فقال له موسى - عليه السلام: من قتلك؟ قال: ابن أخي. فرأوا ذلك عيانًا بأبصارهم، حياة حقيقة بعد موته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت