الثالث: الإيمان بالحساب. ... الرابع: الإيمان بالجزاء، وهو الجنة، أو النار.
هذا بشكل عام، لا يتم إيمان امرئ باليوم الآخر حتى يحقق الإيمان بهذه الأمور الأربعة، وسنتناولها بالتفصيل، ولا يخفاكم معشر الإخوان أهمية الإيمان باليوم الآخر، فإنه رادع، وحاز في آن واحد، رادع للإنسان عن مقارفة الحرام، ومعصية رب العالمين، فإنه إذا ذكر أن من ورائه يوم آخر فإنه يتهيب، قال - عز وجل: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ) فسرها بعض العلماء: (يرجو) يعني يخاف، وهي تصلح للمعنيين.
أيضًا إذا ذكر ذلك اليوم وما فيه؛ حفزه ذلك على اغتنام فرصة عمره حتى لا يطوى بساط العمر قبل أن يُعد لذلك اليوم عُدته، فتأثير الإيمان باليوم الآخر على سلوك الإنسان تأثير بالغ، ما الذي يردع الإنسان عن الانسياق وراء الشهوات، والعب منها إلا ذكره لليوم الآخر، تقول فاطمة بنت عبد الملك رحمها الله وهي امرأة عمر بن عبد العزيز، تقول: كان يكون جنبي في الفراش، وأهنأ ما يكون الرجل حينما يكون إلى جنب زوجته في فراشه، تقول: فيذكر الموت، والآخرة؛ فينتفض كما ينتفض العصفور- رحمه الله- هؤلاء المؤمنون يذكرون ما أعد الله - عز وجل - فيلحقهم من ذلك رهبة وخشية، فينبغي لمن أراد أن يعظ نفسه ويضبط مسيرته أن يكثر من ذكر اليوم الآخر، ابتداءً من الموت، وانتهاءً بدخول الجنة أو النار، وعظنا الله وإياكم موعظة حسنة.
• قال: (فيؤمنون بفتنة القبر، وبعذاب القبر ونعيمه) إذًا القبر هو الدار الوسطى، لأن الدور ثلاث: دار الدنيا، ودار الآخر، وبينهما برزخ وهو القبر، ولكل دار أحكامه، فالقبر سنة كونية، جرت بها سنة الله - عز وجل -، ولهذا لما وقع أول قتيل في البشر وهو هابيل حين قتله قابيل؛ بعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه، فعلم الله - سبحانه وتعالى - البشر هذا الأمر، وهو الدفن، فصار يدفن بعضهم بعضا. ... • قال: (فيؤمنون بفتنة القبر، وبعذاب القبر ونعيمه) أفادنا الشيخ رحمه الله بأنه يجري في القبر أمران: أولهما: فتنة القبر، والفتنة المقصود بها: الاختبار، كما تقول العرب: فتن الصائغ الذهب، يعني اختبره بأن أدخله في أتون النار حتى يتميز صحيحه من زائفه، فيتساقط المعادن الأخلاط، ويبقى الذهب نقي فالفتنة معنها: الابتلاء، والاختبار، قال - سبحانه وتعالى - (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) ، قال نبينا - صلى الله عليه وسلم - (إنكم تفتنون في قبوركم قريبًا من فتنة المسيح الدجال)
إذًا فتنة القبر المقصود بالفتنة لغة الاختبار، ولكن المراد بها اصطلاحًا: سؤال الملكين للميت عن ربه ودينه، ونبيه، سؤال حقيقي كما سيأتي.
وأما الأمر الثاني: فهو عذاب القبر ونعيمة، فلنبتدء بالأولى: