• قال: (فأما الفتنة، فإن الناس يفتنون في قبورهم) وقد كان هذا الأمر خفي على النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أعلمه الله - سبحانه وتعالى - به، قال: فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ قال - سبحانه وتعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ) فيقول المؤمن: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيي قد جاء ذلك في حديث البراء بن عاذب - رضي الله عنه -، المشهور، الطويل، وهو من أتم الأحاديث سياقًا لما يكون من حال الإنسان بعد موته، وهو حديث رواه أبو داود وسنده جيد، وراه غيره، وصححه شيخ الإسلام ابن القيم وجمع، وإنما ضعفه ابن حزم رحمه الله بالمنهل بن عمرو، وتضعيفه إياه لا يعول عليه، لأنه ضعفه بسبب إنه قيل في المنهال: إنه سُمع صوت طنبور -آلة هوائية موسيقية- في بيته، وهذا لا يكفي في التضعيف؛ لأنه ليس هو الذي باشر الطنبور، فقد يكون وقع من دون علمه، وقد يكون بيد صبي غير مكلف، فمثل هذا لا يكفي في رد الحديث، والصحيح أن حديث البراء - رضي الله عنه - حديث صحيح، ومستهله: (إن العبد إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، أتاه ملائكة بيض الوجوه -هذا في حق المؤمن- كأن وجوههم كذا، وكذا، وبأيديهم حنوط من الجنة، وكفن من الجنة، فيقعدون منه مد بصر فيأتي ملك الموت فيقول: أيتها الروح الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج، فيسلها كما تسل الشعرة من العجين، أو كما تخرج القطرة من فم السقا، فلا يدعها ملائكة الرحمة في يده طرفة عين حتى يضعها في ذلك الكف وفي ذلك الحنوط، إلى آخر الحديث ... ، وضد ذلك في حق الكافر.
فالحديث هذا حديث عظيم، وفيه موعظة بليغة ينبغي أن يذكر الناس به بين الفينة والفينة، فإن هذا من ذكر الحق الذي يحي القلوب، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث بأنه يأتيه ملكان فيقعدانه -قد ورد تسمية الملكين في بعض الأحاديث بأنهم منكر، ونكير، وورد في بعضهما أنهما زرق العيون، سود الوجوه الله أعلم بذلك، والذي يظهر أن من يأتي المؤمن ليس على هذه الصفة- المهم أنهما يقعدانه، وفي بعض سياقات الحديث أنه يصور للمؤمن وكأن الشمس تغيب، فيقول: إليكما عني رحمكم الله حتى أصلى معتاد على الصلاة، يقول: لا تشغلاني، لا جاء وقت الصلاة، تغيب الشمس وأريد أن أصلى المغرب فيسألنه: من ربك؟ فيقول المؤمن: الله ربي أو ربي الله؛ لأنه كان على هذا في الدنيا، ما دينك؟ ديني الإسلام. من نبيك؟ نبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وفي بعض الأحاديث من هذا الرجل الذي بعث فيكم، وفي بعضها ما علمك بذلك، يعني على أي أساس علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، ولهذا أسس شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كتابه الأصول الثلاثة على هذا الحديث؛ لأن مراده بالأصول الثلاثة معرفة العبد لربه، ودينه، ونبيه، هذه الأصول الثلاثة التي يُسأل عنها الإنسان في قبره، يقول نبينا - صلى الله عليه وسلم - مستشهد: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ) كما ثبتهم في الدنيا، يثبتهم في الآخرة فدل ذلك التثبيت على تثبيتهم في القبر، فيُربط على قلب المؤمن، ويقول ما كان يعتقد، وهذا يدلنا يا إخوة على أنه ينبغي على الإنسان أن يحقق الإيمان بالمعرفة وبالدليل، لا بجريان العادة، والوراثة