ولهذا المرتاب أو الشاك، يقول: ها ها، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيء فقلته، تطاير هذه المعلومات، لأنه كان في الدنيا يرددها كما تردد الببغاء، لا يعني أنه لم يسمع بها يومًا من الدهر، لا سمع بها لكنها لم تتمكن من قلبه؛ فطارت حين الهزة؛ لأنه فتنة كفتنة المسيح الدجال، فلا يثبت إلا المؤمن، وهذا يدلكم على عبثية بعض المبتدعة الذين إذا دفنوا الميت؛ انكب أحدهم على قبره وصار ينادي بأعلى صوته: يا فلان، سيأتيك ملكان، ويسألك من ربك، فقل: ربي الله كأنه يغششه في الامتحان، ما هذا؟! لو كان الأمر كذلك لكان أن يوصل إليه اتصال هاتفي أولى من هذا الصنيع، لكن هذا لا يغني عنه شيء، لأن حياة البرزخ ليس كحياة الدنيا، ولهذا لو فُتح قبره، لن يوجد أنه وسع له كمد بصره، أو أنه اختلفت أضلاعه، لأن أحكام البرزخ تختلف عن أحكام الدنيا، فهذا الصنيع الذي يفعله هؤلاء العابثون، الجاهلون، المبتدعون لا يغني شيء عن الميت، أن يُلقن بعد دفنه، وإنما الذي ينفعه أن يدعوا الإنسان له بأن يقف على قبره ويقول: اللهم ثبته بالقول الثابت، اللهم ثبته عند السؤال، هذا الذي ينفعه.
فإذا قال المؤمن كذا، وكذا، قيل له: نَم، نومة العروس، الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث البراء - رضي الله عنه - بأنه يوسع له في قبره مد بصره، وأنه يُفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من رَوحها، ونعيمها، وأنه يأتيه رجل حسن الصورة، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: من أنت! فوجهك الذي يأتي بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح. جعلنا الله وإياكم منهم، يا لها من بشرى، فلهذا يقول: ربي أقم الساعة؛ حتى أرجع إلى أهلي ومالي -يعني في الجنة، لا يريد أهله وماله في الدنيا، يعني ما أعد الله له في الجنة- يعلم أن ما أمامه أعظم نعيمًا مما هو فيه.
وأما الكافر والعياذ بالله فكما قال: (فيضرب بمَرزَبة من حديد) والمرزبة من حديدي هي: الكتلة الحديدية (فيضرب بها ضربة يسمعها كل شيء إلا الإنسان) تسمعها الدواب، فتتأثر من ذلك، ولهذا أخبر ابن القيم رحمه الله أن المسلمين في بلاد الشام كانوا إذا أصاب خيولهم، وبغالهم، ودوابهم المغل، وهو نوع من الإمساك، يصيب البهائم، يذهبون بها إلى قبور النُصيرية، فما هي إلا أن تسمع -والعياذ بالله- أصوات المعذبين، حتى يخرج ما في جوفها، بل قد جرى للنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يومًا راكب بغلة له فمر بستة أو سبعة أقبر، فحادت به بغلته، حتى كادت أن تلقيه، كادت أن تطرحه أرضًا، فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا ست، أو سبعة أقبر؛ فقال - صلى الله عليه وسلم: قبور من هذه، فذكروا أُناس ماتوا في الجاهلية، فقال - صلى الله عليه وسلم: لولا ألا تدافنوا لدعوت الله - سبحانه وتعالى - أن يسمعكم من أصوات أهل القبور من أسمع -عياذ بالله- يعني لو أننا نسمع يا إخوة أصوات أهل القبور، ما دَفن أحدٌ أحد؛ لأنه أمر موُحش جدًا، فلهذا قال - صلى الله عليه وسلم: لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من أصوات أهل القبور ما أسمع.
• إذًا يجب علينا أن نؤمن بفتنة القبر، وهي سؤال الملكين، وما يترتب على هذا السؤال من جزاء.