العالم، يقول نبينا - صلى الله عليه وسلم: (كيف أنعم -يعنى كيف أتنعم- وصاحب القرن قد التقم قرنه وحنى جبهته، ينتظر أن يُأمر) .
فمن خاف الله والدار الآخرة لا يمكن أن يتنعم، ولا يمكن أن يسترسل في النعيم، وهو يعلم أن صاحب القرن قد التقم قرنه، وحنى جبهته ينتظر أن يأتيه الأمر، فالأمر وشيك، قال - صلى الله عليه وسلم: (بُعثت أنا والساعة كهاتين) فحينئذٍ يموت الناس، ويمر عليهم ما شاء الله تعالى من الدهور بعد موتهم، وقد ورد في أحاديث لكنها فيها مقال: أن الأرض تمطر بعد ذلك مطرًا كمني الرجال، فتنب الأجساد كما تنبت الطراطيس هكذا قد ورد في بعضها، لكن المعول على ما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما جاء به الكتاب، فأخبرنا الله - سبحانه وتعالى - أن الله يبعث الناس من قبورهم، تُعاد الأرواح إلى الأجساد إذا نفخ إسرافيل النفخة الثانية؛ عادت كل نسمة إلى الجسد الذي كانت تعمره في الدنيا، ويكون الله - سبحانه وتعالى - قد جمع رفاة ابن آدم وأعاد خلقه من جديد أخبر نبينا - صلى الله عليه وسلم - بأنه يبلى من ابن آدم كل شيء، إلا عجب الذنب، العُصعُص، فمنهم يركب الخلق يوم القيامة، يعني يحفظ الله - سبحانه وتعالى - بهذه القطعة المتبقية من ابن آدم الصفات الوراثية التي منها يُعاد الخلق يوم القيامة، فيجمع الله - سبحانه وتعالى - ما تفرق من بدن ابن آدم، حتى الذي تفرق جسده في حواصل الطير، وبطون السباع، وأجواف الحيتان، أو استحال رمادًا، فإن الله - سبحانه وتعالى - قال: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) يعيد الله - عز وجل - تركيب ابن آدم على خلقته، حتى إن القلفة التي تكون على رأس الذكر حين الولادة وتقطع، تعاد مع صاحبها.
• إذًا يركب الله - عز وجل - الخلق من جديد، ومما يدلك على قدرة الله - سبحانه وتعالى - البالغة في هذا، حديث الرجل من بني إسرائيل الذي جمع بنيه، وقال: إنه لم يبتئر عند الله خيرًا قط، قال: فإذا أنا مت، فأحرقوني ثم اسفكوني أو قال اسحقوني، فإذا كان في يوم شديد الريح، فذروني نصف في البر، ونصف في البحر فإني أخاف إن قدر الله عليا أن يعذبني.
هكذا غلبه الخوف إلى الحد الذي بلغ به أن بدرت منه هذه المقالة الكفرية؛ لأنه شك في قدرة الله - عز وجل - وقال هذا لعظم خوفه منه، فأخذ منهم العقود والمواثيق أن يفعلوا ذلك، ففعلوا وأحرقوه، فلما كان في يوم شديد الريح، ذَروه، نصف في البر، ونصف في البحر، فما هو إلا أن أقامه الله - عز وجل - بين يده، خلقًا سويًا أمر البحر، فألقى ما فيه، والبر، فألقى ما فيه؛ فعاد خلقًا سويًا فقال الله - عز وجل: أي عبدي، ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب مخافتك. فما تلافاه الله أن غفر له، وتوجيه ذلك أن يُقال: إن ما بدر منه من كلمة كفر، كان في حال إغلاق؛ لأن الإنسان في حال الفرح الشديد، أو في حال الخوف الشديد، أو الاندهاش الشديد يغيب عن باله بعض الأشياء، تتعطل آلته العقلية؛ فلهذا غفر الله له.