الصفحة 196 من 280

لما ابتعدوا عن الفطرة كيف هانت عليهم كشف العورات، فهم كالبهائم العجماوات، يسيرون على الشواطئ، وفي الأماكن المفتوحة، لا يبالون بانكشاف العورات، لأنهم ابتعدوا عن الفطرة، فلذلك ساءت مزاجهم، وانتكست فطرتهم، أما المؤمن فإنه يستحي من ظهور العورة؛ لأن الله - عز وجل - قد غرز في نفسه هذا الشعور، لما عصى آدم وحواء عليهما السلام ربهما ما الذي جرى؟ ذهب ما يسترهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ليقر الله - عز وجل - في القلوب الاقتران بين السوءة الحسية، والسوءة المعنوية، السوءة المعنوية هي المعصية، والسوءة الحسية هي الفرجان، القُبل، والدُبر، فبينهما تلازم؛ فلهذا طفق يخصفان عليهما من ورق الجنة، بحكم الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، والمقصود أن هذا المشهد، مشهدٌ كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يا عائشة الأمر أكبر من ذلك) يعني الأمر أكبر، وأعظم من أن يلتفت الرجل ليرمق امرأة، أو امرأة لتلحظ رجلًا، في دار كل يبحث عن النجاة، كل لا يدري إلى ما هو صائر إلى جنة أو نار، هذا هو البعث الذي أخبر الله - سبحانه وتعالى - به، وتجري إثر ذلك إحداث جسام، متلاحقة؛ لأنه يوم عظيم طويل، تجري فيه أحوال متنوعة، فمن ذلك دنوا الشمس، فإن الله - سبحانه وتعالى - يدني الشمس من العباد قدر ميل أو ميلين، الشمس التي نعرفها، والتي لها مسار دقيق لا تحيد عنه قيد أنملة، ولا ملي، لو حادت عنه لاختل نظام العالم، يدنيها الله تعالى من العباد يوم القيامة قدر ميل أو ميلين، قيل أن الميل هو: ميل المسافة. وقيل هو: ميل المكحلة، الله أعلم أي ذلك كائن، لكن ينتج عن ذلك إلجام العرق، فإنه نتيجة لدنوها يشتد الحر بأهل الموقف؛ فينزفون، ويعرقون عرقًا شديدًا، حتى أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم: إن عرق أحدهم ليسيخ في الأرض سبعين ذراعًا، ومنهم من يبلغ العرق إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ إلى حقويه، ومنهم من يبلغ إلى سرته، إلى ثندوته -يعني إلى ثدييه، إلى ترقوته، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، ولا مدخل ها هنا أيها الإخوان للقواعد الفيزيائية، والتي يطبقها الناس على الحياة الدنيا عند أصحاب الفيزياء قاعدة يسمونها: قاعدة الأواني المستطرقة، يعني يكون مستوى الماء في كل مكان متساو وإن اختلفت الأشكال، لا يصح أن تقابل النصوص بمحض العقول، هذه دار غير دار الدنيا، غير دار البرزخ، فالدور ثلاث: دار الدنيا لها أحكامها، ودار البرزخ لها أحكامها، ودار الآخرة لها أحاكمها، فلا يجوز أن يُعمِل الإنسان القوانين الطبيعية المعتادة، وينقلها من دار إلى دار، كما في الحياة الدنيا لكل دولة نظامها، فأنت إذا خرجت من حدود المملكة إلى بلد آخر؛ تبين لك أن الأنظمة تغيرت، وأن قواعد المرور، والأحوال المدنية، والبيع والشراء، وغير ذلك اختلفت، فكذلك أيضًا حينما ينتقل الإنسان من دار الدنيا إلى دار الآخرة، فلا يقولن قائل: لو شققنا عن الميت في قبره لما رأينا عذابًا ولا نعيمًا، فيقال له: إن الذي يدرك هذا العذاب والنعيم ليس الحي، ولكنه الميت، فالله - سبحانه وتعالى - لم يقل أن الذي يجد النعيم أو العذاب ويدركه بحواسه هو الحي، بل الميت.

وكذلك الدار الآخرة فإن لها من النظام، والضوابط، والقواعد ما يفارق هذه الحياة الدنيا، فإذًا إلجام الناس بالعرق على قدر أعمالهم، ثم تُنصب الموازين، والمقصود بالموازين هي جمع ميزان، وهي موازين حقيقية، كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت